شيء حسن رغم أنه غير ذلك في الواقع، ودفعتني تلك الأفكار إلى أن أخطو في سبيل تحقيق ما توسوس به إلي نفسي، ذهبت إلى فندق أنجلو سويس، وأنا في داخل المصعد سمعت (المدام) بصوتها الصاعق الحاد يدوي في أرجاء الفندق، وقابلت ذلك الوجه البغيض إليَّ (المعلمة زينب) جئت أسأل عن وجود غرفة فارغة .. موجودة، ولكني لم أحجز قلت غدًا أو بعد غد أمر، وعرجت على المنطقة القريبة من المنيرة التي تقع فيها كلية دار العلوم وبدأت مرحلة التفتيش، وتذكرت تلك الأيام التي قضيتها مع الأخ خليل ونحن نبحث عن السكن، ولكني كنت أخطو هذه المرة وأقف وأشعر في داخلي، بمرارة ولكن الصدى يدوي حولي أن امضِ ولا تجعل الوقت يذهب سدى، وسألت بَوَّابًا عن وجود شقة في عمارته، فاهتز ونادى على سيد طه .. وتذكرت سيد ذلك الذي لم ينقطع عن الكذب علينا وجاء طه .. أية خدمات (يا بيه) وفهم أني أبحث عن شقة وغرفه واحدة، وأخذ يسرد على سمعي كلمات الاهتمام بالأمر، وهو يقول: (في حته مختصرة) في ميدان سماه، قلت: (أنا أريد قرب الكلية) .. قال: (آهو كده) الميدان قريب، ومضينا وهو يحدثني أن العمارة جديدة، وإذا بها وسط ضجيج عارم عمارة تسعة طوابق، والشقة في الطابق التاسع في المجموعة الواقعة في وسط العمارة، قلت ندخل نشوف الشقة فقد وصلنا، ولم نصل إلى الشقة إلا بشق الأنفس، وفَتَحَ الباب فاندفعت إلينا من داخل الشقة روائح كريهة قاتلة، كاد يلفني الغثيان، أَسِرَّةٌ وفرش وأثاث آسن قديم وسخ، وخرجت مسرعًا وتحطمت كل آمالي هناك، وإذا السكن الجديد الذي كنت أبحث عنه صعب المنال، ولكني غير مرتاح في داخلي .. مضيت والتقيت بالأخ مجاهد وفهم المشكلة التي تدور أحداثها في داخلي أكثر من أن تكون لها في الواقع قرار، ولكنه ذكرني بأمور كثيرة وحدثني بعض الحديث اللين، ولكن لم أجد في كل ذلك ما يشفي الغليل، ومضيت وانقطعت ساعة في التفكير، ماذا لو ظللت في مكاني مع الأخ خليل ونعم الزميل هو، ونعم الرجل الملتزم هو، شقة جيدة مواصلات سهلة في كل الجهات، منطقة نظيفة، وأخذت الأفكار تصطرع في داخلي وما سيترتب على انتقالي إذا تم من مشاكل بالنسبة لي، وأخيرًا شعرت أن سكني مع الأخ خليل في المكان الذي نسكنه الآن لن يعيق أو يبدد شيئا من جهودي، وعرفت وكأن ذلك للمرة الأولى أن لا بد من التضحية ببعض الوقت في كل الأحوال وأما مسألة المصروفات فإنها يبدو لن تزيد على الثلاثين دنيارًا، وها هم الأهل قد وعدوني بإرسال خمسين إن اقتضى الأمر .. كيف ستشعر إذا انتقلت، كيف ستواجه الأمور وحيدًا، والأحداث التي لا تخطر على البال، وهذا بلد لا يأمن المرء على نفسه من فتنه، وانقلبتُ لهذا ولغيره بما لا أجد تعبيرًا عنه انقلبت نهائيًا ضد فكرة الانتقال إلى مكان آخر! والحمد لله.
لسان العرب
الاثنين 31 كانون الأول 1973م = 7 ذو الحجة 1393هـ
كنت أفكر بعدم شراء أي كتاب إلا ما كان ضروريًا تفرضه المحاضرات، وفعلًا لم أشتر خلال الفترة الماضية من وجودي في مصر إلا كتبًا معدودة بعدد الأصابع، وحدث أن تقرر أن يقرأ كل طالب جزءًا من لسان العرب، قلت أذهب إلى المكتبة العامة أقرأه هناك وأكتب ما هو مطلوب، وذهبت مرتين وثلاثًا و أربع مرات، ولكن لم أتجاوز الخمسين صفحة في الجزء المقرر علي، وهو الثاني من طبعة بيروت، حاولت الحصول عليه من صديق، ولكن لم أجد، وذكروا أنه غير مرتفع الثمن، وحدثت نفسي بشرائه، ودرت في مكتبات القاهرة التي عرفتها، ولم أجد طبعة بيروت إنما كانت هناك طبعة بولاق عشرين جزءًا، وهي لا تقل عن عشرين جنيها، قلت لا أشتريه، ظللت عدة أيام أفكر بالأمر، هو ثروة مخزونة فلماذا لا أقتنيه وأستفيد منه في هذه الفترة، فالذهاب إلى المكتبات للقراءة فيه سيكلفني وقتًا طويلًا، ووقر في نفسي شراؤه، ذهبت أمس إلى شارع عبد الخالق ثروت باشا حيث توجد عدة مكتبات، وسألت عنه، هناك طبعة مصورة عن طبعة بولاق ولكنها غير مجلدة، أخيرًا وجدت نسخة في مكتبة عالم الكتب مجلدة تجليدًا جيدًا، عشرين جزءًا في عشرة مجلدات، وطلب صاحب المكتبة فيها ثلاثين جنيهًا، عشرين للكتاب وعشرة للتجليد، وبعد رواح ومجيء تمت الصفقة بستة وعشرين جنيهًا .. وحملته إلى الشقة وأنا فرح مسرور (5) ، كنت قد اشتريت من
(يُتْبَعُ)