بما يتحتم على العاقل من أن يعتقد صحة الشرائع كلها، قال تعالى (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ) الآية 162 من النساء في ج 3، وقال تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا) الآية 13 من الشورى في ج 2، كما يجب أن يعتقد ويصدق بجميع الأنبياء ويعترف أن ما جاء في شريعة النبي المتأخر ناسخ لشريعة من قبله وواجب العمل به، وكيف كان جوابهم إليهم فتراه كأنه صادر عن أمة واحدة بلهجة واحدة على نمط واحد، صدق الله تعالى وهو أصدق القائلين في قوله (تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) الآية 167 من البقرة في ج 3، وكلهم سخروا بأنبيائهم واستهزءوا بهم وكذبوهم وأنكروا معجزاتهم ولم يعتبروا بمن قبلهم ولم يرتدعوا بما وقع عليهم، ألا فليحذر الذين يخالفوا أمر الله ويكذبون رسله ويجحدون كتبه أن يصيبهم مثل ما أصابهم ثم التفت إلى حبيبه محمد صلّى الله عليه وسلم وقال «وَإِنَّهُ» أي القرآن المنزل عليك الذي أمرناك أن تنذر به قومك وقصصنا عليك فيه أحوال الرسل قبلك وأممهم وكيفية حالهم معهم وماهية عذابهم وسبب إهلاكهم تسليه لك كي لا يضيق صدرك مما ترى منهم ولا تحزن على عدم إيمانهم ودعهم فليقولوا ما يقولون فيه، وعزتي وجلالي «لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ» 192 وقد «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ» 193 سفيرنا جبريل، سماه روحا لأنه خلق من نور الله من الروح وأمينا لائتمانه على وحيه وأدائه لرسله كما تلقاء منه وفي لحظة أمره به
«عَلى قَلْبِكَ» يا سيد الرسل حتى تعيه «لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ» 194 به وقد خص القلب لأنه موضع التمييز والعقل، لأن الرجل لا يتكلم إلا عما وقر في قلبه «بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» 195 ليفهمه قومك دون حاجة لترجمان حتى لا يبقى لهم عذر من جهة إرسال الرسول والفهم، قال تعالى (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) الآية 3 من سورة ابراهيم في ج 2، وهذه الآية وما يضاهيها من آي القرآن الحكيم فصل الخطاب بأن جميع ما في القرآن عربي فصيح جاء بلسان العرب ولغتهم، وعليه فكل قول بأن بعض كلماته أجنبية باطل، وما جاء بأن اسماء ابراهيم وإسماعيل وجبرائيل أعجمية فهي في الأصل كذلك ونقلت الى العربية وتسمى بها العرب قبل نزول القرآن، وكل ما كان مستعملا عند العرب فهو عربي ليس إلا، وإنما ذكرنا