عقوبتهم دفعة واحدة «كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ» 105 قبله كإدريس وشيث كما كذّبته هو، ومن كذب نبيا فكأنما كذب جميع الأنبياء «إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ» بالنسب لا في الخلقة فقط، لأنه منهم «أَلا تَتَّقُونَ» 106 الله فتؤمنوا بي، وألا أداة استفتاح بستفتح بها الكلام، وتفيد التنبيه وطلب الشيء بلين ورفق، ويقابلها هلّا للحثّ على فعل الشيء بشدّة وإزعاج «إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ» من الله خالقكم «أَمِينٌ 107 على أداء رسالته إليكم وعليكم وكان مشهورا عندهم بالأمانة مثل محمد صلّى الله عليه وسلم إذ كان يسمى الأمين «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ» 108 فيما آمركم وأنهاكم لئلا ينزل بكم عقابه «وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ» لتتهموني بقصد ما وإنما أسديكم نصحي وإرشادي مجانا «إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ» 109 لا على أحد منكم، لأن العمل إذا كان لله فلا يطلب عليه أجر من غيره، تفيد هذه الآية لزوم تحاشي العلماء عن طلب أجر على تعليم القرآن والحديث والعلم، لأنهم ورثة الأنبياء فينبغي أن يقتدوا بمورثيهم ويبثوا ما عندهم من العلوم مجانا للعامة كما علمهم الله، وكذلك الجهات الدينية كالإمامة والخطابة والأذان والوعظ فلا ينبغي أن يؤخذ عليها أجر ما إلا لحاجة ماسة، كمن ليس له مورد ما ولا شيء من الوقف ولا يقدر على العمل مع القيام بذلك «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ» 110 كررها تأكيدا وتقريرا أولا بأنه رسول الله، وثانيا بأنه لا يأخذ أجرة على هذه الدعوة، وانظر بماذا أجابوه قاتلهم الله «قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ» 111 السفلة الفقراء، أي كيف نؤمن بك وانك تساوينا معهم ولم نرضهم خدما، وهم آمنوا بك من غير حجة ونظر واستدلال أو حذق بصر أو بصيرة بل ليعيشوا بفضلك.
ومعنى الرذالة الخسة، وخصوهم بها لقلة ذات يدهم من الدنيا ولخسة صنائعهم، لأن منهم الحاكة والحجامة والإسكافية والمعدم الذي لا مال له ولا نشب، على أن الفقر ليس بشيء يعاب عليه وكذلك الصنعة قال:
قد يدرك المجد الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع