أن يأتي بها إلى بيت المال، فإن نظرتم إلى فعله فقولوا بالجواز، وإن قصد أخذها لنفسه.قلت: قد قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعل الله يجبرك» ، فلعله نزل ذلك منزلة الإذن من النبي صلى الله عليه وسلم وهو الإمام، وظاهر حال معاذ أنه فَهِم ذلك، وكذا ظاهر حال أبي بكر في جوابه لعمر.فإن قلت: فإن كان ذلك لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون إباحة الهدية له خاصةً رخصة من النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يُستدل به في غيره.قلت: ما قلنا: إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم له بالقبول، بل القبول مباح، وإنما فهم من النبي صلى الله عليه وسلم تخصيصه بما يحصل له، فلا يؤخذ منه كما أخذ من ابن اللبِيَّةِ، وبهذا تجتمع الأحاديث، ولا تتناقض.فإن قلت: ما ذكرته يقتضي أن الهدية للحاكم وللعامل مباحةٌ، وقد قلت: إن الأصح تحريمها.قلتُ: الهدية باعتبار ما يُقصد بها، فمتى ظهر من صاحبها استعانة بها على شيء من الحكم، حَرُمَ قبولها، ومتى كانت لمجرد المكارمة والتودُّد، لم تحرم، ولم يكن يخفى ذلك على معاذ، وهو أعلمُ الأُمَّةِ بالحلال والحرام، ولا يخفى عليه حاله فيما يتناوله، وهو من جلة الصحابة، فلم يكن يُقدِمُ إِلَّا على ما هو حلال إن شاء الله.ونحن إذا أنا أطلقنا في القاضي التحريم، فهو بناءً على ما هو الغالب فيمن لم يُهد إليه إلا بعد القضاء مع كثرة الرّيب والتهم، فإن فرض في صورة نادرة من ظهر له بقرائن الأحوال انتفاء الرّيب كلها والتهم، والله أعلم بباطنه، فنرجو أنه لا حرج عليه في القبول،/ [٢٤/ ١] وحينئذ يجب عليه وضعها في بيت المال، والله أعلم.