الصفحة 16 من 40

إنك لا بد حين تبتلى ستُسأل من أين أتيت بهذه العقيدة؟ ومن علمك هذا الدين؟، فلتحرص على ألا تكشف السر، وذلك ضمانة لعدم إلقاء القبض على الجميع، وحتى يظل الراهب متواريًا عن الأنظار يتحرك بالدعوة سرًا بعيدًا عن الأضواء والضوضاء، فالحفاظ على الدعوة يقتضي الحرص على ألا تنكشف حلقات التنظيم للأعداء.

أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم؛ وقد لاحظنا كيف أن بلاء الغلام أشد من بلاء صاحبيه فقد رأى ما أصابهما، كما عذب من قبل، كما أن التهديد المتواصل والتخويف حتى ذروة الجبل ثم في عُرض البحر، ولا ننسى أن الابتلاء بالإغراء والترغيب لا يقل شدة إن لم يزد، عن الابتلاء بالتعذيب والترهيب، فهو الشاب الذي ينتظره المستقبل الباسم والقرب من الملك والعمل ساحرًا له، فيما الراهب والجليس كبيران في السن وليس لديهما طموح كبير أو مستقبل باسم كالذي ينتظر الغلام، ولذلك فالامتحان أبلغ وأقوى.

وقد من حكمة الراهب أن بين للغلام حقيقة وضعه ومستواه الإيماني بعدما رأى تلك الكرامة الخارقة، فقول الراهب للغلام: أنت اليوم أفضل مني، قبل قوله: وإنك ستبتلى، يتضمن أنه بما بلَغه من الإخلاص والإيمان سيُعان على تجاوز الابتلاء والنجاح فيه، كما يتضمن أن الله تعالى الذي أعانه بالكرامة الخارقة لا بد سيمن عليه بالعون على تجاوز البلاء، وسيظهر أن البلاء الحقيقي ليس في الكشف عن"خيوط التنظيم"، ولكن في الثبات على الدين.

وقد بدأ الراهب بأداة التوكيد وثنى بأداة الشك: (وإنك ستبتلى ... فإن ابتليت) ، لئلا يقع الغلام في الكرب قبل وقوعه فيصيبه الجزع، كما ألمح إلى ذلك صاحب كتاب دليل الفالحين شرح رياض الصالحين، ففي الوقت الذي أكد الراهب أن الغلام لا بد سيلقى البلاء فهذه هي سنة الله تعالى إلا أنه لم يشأ أن يملأ قلب الغلام بالخوف ولا نفسه بالجزع، بل فقط المطلوب هو التهيؤ والاستعداد، ولذلك استخدم أداة الشك (فإن ابتليت) : وكأن البلاء احتمال ضعيف.

ولعل بعض الدعاة وهو يريد إعداد تلاميذه للبلاء القادم، تراه يوقعهم في اليأس والجزع من شدة ما يصور لهم الأهوال التي تنتظرهم، وبطريقة توحي لهم أنهم لن يتجاوزوها.

(فإن ابتليت فلا تدل عليّ) : إنك حين تبتلى لا بد ستُسأل من أين أتيت بهذا الكلام ومن علمك هذا الدين ولقنك تلك العقيدة، فلتكن حريصًا على ألا تكشف السر وذلك حفاظًا على الدعوة بسلامة قادتها وأفرادها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت