ثم عرفنا ابن جبير عن الاحتفاء بالأهِلَة في مكة المكرمة، وما يجرى فيها من احتفالات وكيف دخل أمير مكة مكثر المذكور داخل الحرم الشريف مع طلوع الشمس، والاحتفال بشهر رمضان فيها، فسجل الاهتمام الكبير بزيادة أحجام وأعداد وسائل الإضاءة منذ صلاة المغرب- الفطور وحتى الفجر- السحور- وتجديد فُرُش الحرم الشريف من الحصير عند دخول غُرّة الشهر المبارك.
كذلك أوضح لإقامة صلاة التراويح في الحرم المكي الشريف في عدّة أماكن متفرقة، وكان لكل فرقة إمامها، وأن عدد ركعات التراويح بلغت أربعًا وعشرين ركعة خارجًا عن الشفع والوتر، مع تعدد مرات الطواف حول الكعبة المشرفة فيما بينها. وذكر ابن جبير عن السحور في مكة، الذي كان يتم من المئذنة التي توجد في الركن الشرقي للمسجد الحرام، وذلك بسبب قربها من دار شريف مكة، فيقوم الزمزمي بأعلاها وقت السحور داعيًا ومُذكِرًا ومُحرِّضًا على السحور ومعه أخوان صغيران يجاوبانهِ ويقاولانهِ. ونظرًا لترامي الدُور بعيدًا عن الحرم المكي حيث يصعب وصول صوت المؤذن كانت تنصب في أعلى المئذنة كما يقول ابن جبير: خشبة طويلة في رأسها عمود كالذراع وفي طرفيه بَكْرَتان صغيرتان يرفع عليهما قنديلان من الزجاج كبيران لا يزالان يُوقِدان مُدّة التسحير فإذا قَرُبَ تبيّن خطى الفجر ووقع الإيذان بالقطع مرّة بعد مرّة حطَّ المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة وبدأ وثُوب المؤذنين من كل ناحية بالأذان. وعندما يرى أهل مكة من سطوح منازلهم العالية القنديلين قد أُطفئا علموا أنّ الوقت قد أنقطع.