الصفحة 37 من 77

وما إنْ تسمع ربّة المنزل هذا النداء الطفولي، حتى تخرج إليهم حاملة بيديها أو بوساطة وعاء كمية من الحلويات أو النقود لتوزعها عليهم، وعندها يتسلّم كل واحد نصيبه من الهدايا، وهنا يقفون أمام البيت نفسه، ليرددوا باسم صاحبه، فإذا كان ابن صاحب الدار اسمه محمد، فإنّهم يصغرون اسمه إلى حمودي، ويرددون معًا:

الله يخلِّي حمودي ... آمين

ابجاه الله وإسماعيل ... آمين

وبعد ذلك ينتقل الأطفال جميعًا ليطرقوا بابًا آخر في الحيّ، أو الدربونة- الزقاق- ولينهوا جولتهم في هذا المساء الرمضاني ثم يعودون إلى بيوتهم محملين بالهدايا الوافرة من الجيران.

وكما اختفت ظاهرة أبو طبيلة أو المسحراتي في أغلب المدن العربية، فإنّها اختفت أيضًا في المدن العراقية في العقود الأخيرة، ولكنّ الرجل الذي كان يوقظ الصائمين وهو يجوب طرقات المدن والأرياف مازالت صورته في الذاكرة الجمعية. ونشير هنا إلى أنّ ظاهرة التسحير قد عُرفت في العراق منذ أيام الخلافة العباسية في بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية، فكان ابن نقطة هو الشخص الذي يتولّى إيقاظ الخليفة العباسي الناصر لدين الله في بغداد دار السلام ليتناول طعام السحور في أيام رمضان، وعُرِفَ التسحير في ذلك العصر بالقوما من قول المُسحِّر:

قوما تسحر قوما

ولما مات المسحراتي ابن نقطة ذهب ابنه وكان له صوت جميل ووقف تحت قصر الخليفة الناصر لدين الله وأنشده قوله:

... يا سيد السادات

لك في الكرم آيات

أنا ابن أبو نقطة

تعيش أبويا مات

وأُعْجِبَ الخليفة العباسي بحسن بيانه وشدة إيجازه، فأحضره وخلع عليه الهبات ومنحه راتبًا ضعف ما كان يعطيه لأبيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت