الفجر يتحلق الشباب لعدة حلقات لتعلم القرآن والتجويد ولا مجال للنوم أبدا إلا المرضى, وكان الشيطان يلعب بأفكار الكثير لتجنب ما بعد الشروق فيفتعلون المرض أو ما شابه ذلك ولكن الإدارة كانت لنا بالمرصاد دائما, وقبل الشروق بعشر دقائق يجهز الجميع للرياضة القاسية فنذهب إلى الحمامات ونرجع إلى الخيم بسرعة لتغيير ملابسنا, فنلبس الملابس الرياضية والأحذية المناسبة للركض وبعد إعطاء الإشارة من مكبر الصوت يسرع الجميع ركضا إلى ساحة الجمع, ومن يتأخر ولو ثانية يواجه العقاب, كل هذه الإجراءات علمتنا الانضباط رغم جهلنا لذلك, فالعسكرية غير المدنية أبدا, وظن بعضنا أن هذا النظام لا يليق بالمجاهد ولكن سرعان ما تأقلمنا وفهمنا أن النظام من أسس ديننا والفوضى لغيرنا, كنا نصطف للانضباط, فيبدأ أمير المعسكر بالسلام ثم حركات"استعد, استرح, يمينا در, يسارا در, أمامك سر", ومثلها من الأمور الانضباطية المهمة في العسكرية, وكان الأمير المكي هو من يترأس الطابور الصباحي ويعطينا الأوامر وبعض الأخبار المهمة ويشجعنا على الانضباط ومواصلة الدورة والصبر وما إلى ذلك, كما يفاجئنا أحيانا ليختبر سرعتنا أثناء الجمع والانتشار, فيفتح القنبلة اليدوية الهجومية وليست فيها شظايا طبعا, ويرميها في وسط الجمع لينتشر الجميع مثل الرصاص في خلال ثانيتين أو ثلاث فتنفجر القنبلة, كل هذه التصرفات ربما كانت فردية ولكن كانت جدية وتبعث الحماسة المفقودة لدى الشباب, وقد أدركت حينها أنني لست في فيلم هندي أم هوليودي بل في معسكر حقيقي, وبعدها يقسَّم الشباب إلى مجموعات وسميت مجموعتي بأُحد, كنا خليط من الليبيين والقمريين وبعض الفلبينيين من شباب مينداونا, ومدربنا الرياضي كان الأخ عمير البنجابي وهو أخ صبور ونشيط ويتقن اللغة العربية, رجل نحيف لكنه قوي البنية ويخيفنا دائما لأنه شديد في الرياضة, وكانت مجموعتنا مزعجة جدا وتتمرد أحيانا, ولم تكن علاقتها بالإدارة في أحسن حال, بسبب تصرفات بعض الإخوة الذين صوروا الرياضة وكأنها تعذيب لهم, وكانوا يرددون بأن"الأنظمة االطاغوتية العربية"هي التي تعمل مثل هذه التدريبات, لأول مرة بدأت أسمع من بعض شباب شمال أفريقيا مثل هذا الكلام الغريب, فقد شممت ريح التكفير في هؤلاء, ولكن لم أنتبه لهم كثيرا, فكل مزاعمهم لتفريقنا وإظهار التمرد على الإدارة باءت بالفشل, لم يكن هناك سوى الرياضة العادية وتلك من السنة النبوية, فلا ندري كيف صنفوا إدارة المعسكر أنها تتبع"أنظمة طاغوتية", هذا قصر في النظر ومداخل الشيطان للناس, لم نعمل سوى الرياضة ولم تكن هناك إهانات أو شتائم كما يحصل لدى القوات العسكرية في الدول, كان لدينا أخ ليبي من خرجي جامعة المدينة المنورة كلية العقيدة وكنيته"أبو جبير", كان يتأول دائما ويرفض الأوامر أحيانا ويغلف ما يفعله بأدلة شرعية, وبعد المغرب يتفضل بإلقاء الدروس الشرعية في المسجد, فكان التقيد به أمر صعب لأننا نعلم أنما يقوله ينافي ما يفعله في الصباح, وكثير من إخواننا الملتزمين يظنون أن عبادة الجوارح من قيام الليل والصياح والجهاد وكثرة السنن وإطلاق اللحى وعدم الإسبال والتدين بصفة عامة هي وحدها التي تنجي أحدنا من النار وهذا غير صحيح لأن هذه العبادات يمكنها أن تدخلنا النار بسبب الرياء والكبر والتكبر على الآخرين والشعور بالعجب والعلو وأمراض القلوب