فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 441

ومازالت تفاصيل ما حدث مجهولة، أخذت في تجهيز حقيبتى للتحرك إلى الجبهة، عندما يصل

حاجى إبراهيم مساعدى في العمل بالمجلة.

وهو طالب علوم شرعية، وكومندان سابق، من منطقة"زورمات"فى قرية"شاهى كوت".

وعمله الرسمى معى في المجلة مترجمًا، وكان شابًا دمث الخلق ذكيًا وشجاعًا محبوبًا من جميع

الأفغان، لذا فقد ساعدنى كثيرًا سواء في شئون المجلة أو في العمليات التى إشتركنا فيها معًا،

كما سنرى.

حضر حاجى إبراهيم صباحًا، وكان كل منا سعيدًا بلقاء الآخر بعد فترة من الغياب. لم أجد لديه

خبرًا جديدًا عما حدث في المعارك الأخيرة سوى نفس الوجوم والكدر الذى غمر الجميع.

فخرجنا سويًا إلى السوق لنشترى بعض إحتياجاتنا في سفرتنا القادمة إلى الجبهة. إشتريت

عشرة أفلام ملونة من أجل التصوير، وكنت أحمل في جيبى دومًا كاميرا صغيرة من طراز

حديث، وفى أمتعتي كاميرا أكبر مع عدسة مقربة إضافية، وهى أيضًا من نوع حديث ولكنها

كانت أمانة عندى من صديقى المنياوى.

عند عودتنا إلى المكتب علمنا أن الشيخ حقانى سوف يحضر مراسم دفن الشهداء في المقبرة

المواجهة للمستشفى، فأجلنا سفرنا حتى نلقاه. كان الزحام شديدًا حول المقبرة، التى إزدانت

مقابرها بالأعلام الملونة الدالة على أن أصحابها من شهداء المعارك، وكان عددًا منهم من

أفضل أصدقائى القدماء منهم الشهيد عبد الرحمن المصرى، ومولوى أحمد جول ومولوى فتح

الله ومولوى شاكرين وغيرهم كثير. أما إبنى خالد فقد دفن في مقبرة أخرى في منطقة"ماتشز"

حيث يسكن صديقى حاجى إبراهيم. حضر مولوى حقانى وألقى كلمة مطولة في جموع

المحتشدين حول المقبرة، تناول فيها مواضيع دينية عن الإسلام والجهاد والشهادة، وحث الناس

متابعة الجهاد والصبر على مشاقة. وكانت تلك الفرص مناسبة تمامًا لتعبئة الناس نفسيًا، ورفع

معنوياتهم بعد فقد الأعزاء من المجاهدين الذين تعلقت بهم النفوس.

كان المحتشدون من المسلحين ذوى الأجسام النحيلة الصلبة والوجوه الملتحية العابسة بصرامة،

وكل منهم يحمل فوق كاهله من الآلام مالا تتحمله الجبال الرواسى. قليل منهم يبكى أثناء تلك

المناسبات وأكثرهم تترقرق عيونه بالدموع، وعن نفسى كنت أفضل ألا أحضر تلك المناسبات

متعمدًا، بل أفضل أن أراقبها وحيدًا من على بعد حتى أدع عواطفى تنساب على سحبتها بدون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت