(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة , وقد كفروا بما جاءكم من الحق , يخرجون الرسول وإياكم , أن تؤمنوا بالله ربكم. إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ; ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل. إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء , ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء , وودوا لو تكفرون) . .
تبدأ السورة بذلك النداء الودود الموحي: يا أيها الذين آمنوا. . نداء من ربهم الذي آمنوا به , يدعوهم باسم الإيمان الذي ينسبهم إليه. يدعوهم ليبصرهم بحقائق موقفهم , ويحذرهم حبائل أعدائهم , ويذكرهم بالمهمة الملقاة على عاتقهم.
وفي مودة يجعل عدوهم عدوه , وعدوه عدوهم:
(لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) . .
فيشعر المؤمنين بأنهم منه وإليه. يعاديهم من يعاديه. فهم رجاله المنتسبون إليه الذين يحملون شارته في هذه الأرض , وهم أوداؤه وأحباؤه. فلا يجوز أن يلقوا بالمودة إلى أعدائهم وأعدائه.
ويذكرهم بجريرة هؤلاء الأعداء عليهم وعلى دينهم وعلى رسولهم , وعدوانهم على هذا كله في تجن وظلم:
(وقد كفروا بما جاءكم من الحق. يخرجون الرسول وإياكم. أن تؤمنوا بالله ربكم) . .
فماذا أبقوا بعد هذه الجرائر الظالمة للموالاة والمودة ? كفروا بالحق. وأخرجوا الرسول والمؤمنين , لا لشيء إلا لأنهم آمنوا بالله ربهم ? إنه يهيج في قلوب المؤمنين هذه الذكريات المرتبطة بعقيدتهم. وهي التي حاربهم المشركون من أجلها , لا من أجل أي سبب آخر. ويبرز القضية التي عليها الخلاف والخصومة والحرب. فهي قضية العقيدة دون سواها. قضية الحق الذي كفروا به والرسول الذي أخرجوه , والإيمان الذي من أجله أخرجوهم.
وإذا تمحضت القضية هكذا وبرزت , ذكرهم بأنه لا محل إذن للمودة بينهم وبين المشركين إن كانوا قد خرجوا من ديارهم ابتغاء رضوان الله وجهادا في سبيله:
إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وإبتغاء مرضاتي. .
فما يجتمع في قلب واحد أن يهاجر جهادا في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله , مع مودة لمن أخرجه من أجل إيمانه بالله , وهو عدو الله وعدو رسول الله!
ثم يحذرهم تحذيرا خفيا مما تكن قلوبهم , وما يسرون به إلى أعدائهم وأعداء الله من المودة , وهو مطلع على خفية القلوب وعلانيتها: (تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم) .
ثم يهددهم تهديدا مخيفا , يثير في القلب المؤمن الوجل والمخافة:
(ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل) . .
وهل يخيف المؤمن شيء ما يخيفه أن يضل سواء السبيل بعد الهداية والوصول ?!