** وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ الّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هََذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لّنَا مِن لّدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لّنَا مِن لّدُنْكَ نَصِيرًا * الّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقَاتِلُوَا أَوْلِيَاءَ الشّيْطَانِ إِنّ كَيْدَ الشّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا
يحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله, وعلى السعي في استنقاذ المستضعفين بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من المقام بها, ولهذا قال تعالى: {الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية} يعني مكة, كقوله تعالى: {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك} , ثم وصفها بقوله: {الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا} أي سخر لنا من عندك وليًا وناصرًا, قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد, حدثنا سفيان عن عبيد الله, قال: سمعت ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين. حدثنا سليمان بن حرب, حدثنا حماد بن زيد عن أيوب, عن ابن مليكة أن ابن عباس تلا {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان} قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل.
وفي الظلال:
وكيف تقعدون عن القتال في سبيل الله ; واستنفاذ هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ? هؤلاء الذين ترتسم صورهم في مشهد مثير لحمية المسلم , وكرامة المؤمن , ولعاطفة الرحمة الإنسانية على الإطلاق ? هؤلاء الذين يعانون أشد المحنة والفتنة ; لأنهم يعانون المحنة في عقيدتهم , والفتنة في دينهم. والمحنة في العقيدة أشد من المحنة في المال والأرض والنفس والعرض , لأنها محنة في أخص خصائص الوجود الإنساني , الذي تتبعه كرامة النفس والعرض , وحق المال والأرض!
ومشهد المرأة الكسيرة والولد الضعيف , مشهد مؤثر مثير. لا يقل عنه مشهد الشيوخ الذين لا يملكون أن يدفعوا - وبخاصة حين يكون الدفع عن الدين والعقيدة - وهذا المشهد كله معروض في مجال الدعوة إلى الجهاد. وهو وحده يكفي. لذلك يستنكر القعود عن الاستجابة لهذه الصرخات. . وهو أسلوب عميق الوقع , بعيد الغور في مسارب الشعور والإحساس.
ولا بد من لفتة هنا إلى التصور الإسلامي للبلد والأرض والوطن: إن (هذه القرية الظالم أهلها) التي يعدها الإسلام - في موضعها ذاك - دار حرب , يجب أن يقاتل المسلمون لاستنقاذ المسلمين المستضعفين منها , هي"مكة"وطن المهاجرين , الذين يدعون هذه الدعوة الحارة إلى قتال المشركين فيها. ويدعو المسلمون المستضعفين هذه الدعوة الحادة للخروج منه!
إن كونها بلدهم لم يغير وضعها في نظر الإسلام - حين لم تقم فيها شريعة الله ومنهجه ; وحين فتن فيها المؤمنون عن دينهم , وعذبوا في عقيدتهم. . بل اعتبرت بالنسبة لهم هم أنفسهم"دار حرب". . دار حرب , هم لا يدافعون عنها , وليس هذا فحسب بل هم يحاربونها لإنقاذ إخوتهم المسلمين منها. . إن