فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 413

نحن أمة تعيش في زمن» الجبر «حيث لا صوت للإسلام والمسلمين إلا بشق الأنفس. وقد لا يهم الأمة أن تدرك إنْ كانت في أول» الجبر «أو في آخره. لكن يهمها أن تعلم ولو سببا واحدا يمنع العلماء من التوقف عميقا عند هذه المرحلة، والتحصن بأهل الرأي والمشورة والنصح والعلم والمعرفة، كي تكون قراءاتهم وفتاواهم مبنية على وضوح المشهد برمته وليس على جزء منه، ولتقديم كل ما يلزم من الفهم الشرعي والموضوعي الذي يسمح للأمة بأن تعرف حقوقها وواجباتها وتستبين طريقها دون تخبط أو كوارث عقدية وبشرية. فلا يصح ولا يجوز، وليس عدلًا؛ بل ومن الظلم الفادح، أن يتصدى خواص الأمة وعامتها لمسائل هي من اختصاص العلماء الشرعيين أكثر من غيرهم، فكيف بمن يتصدر شأن العامة من الدهماء والمغرضين والجهلة والمتنطعين؟

وعليه؛ فإذا كان من حق الأمة أن تحتمي بكلمة العلماء الربانيين الذين لا يخشون في الله لومة لائم فمن الواجب عليهم أن يستجيبوا ويقروا، بشكل قاطع، أن الأمة واقعة فعلا تحت» الحكم الجبري «، وأنهم يتحملون أمانة إخبارهم، بشكل قاطع أيضا، بماهية التوصيفات الشرعية لهذا النمط من الحكم، وكل ما أفرزه» الجبر «من قضايا خلافية تروج وتدافع (عن) أو تحارب وتجاهد النظام الدولي وشرائعه ونظمه السياسية والاقتصادية والمالية والتجارية والتعليمية والثقافية والقيمية.

في هذه الحلقة الأولى من سلسلة» الجهاد الشامي ومسارات الفتنة «سنشرع في التأصيل لموضوع» الحكم الجبري «، بمقدماته ونتائجه، ثم في معاينة أنماط التفكير التي أنتجت ما نعتقده عقلا جبريا قرأ المسائل العقدية بلغته وليس بلغة الشرع. فماذا نجد؟

-الجبر لغةً وشرعا

» الجبر «في بعض المحتوى اللغوي هو القهر والإكراه، ويقال:» جَبَرَهُ على الأمر وأجْبَرَهُ: أي قَهَرَهُ عليه، وأكْرَهَهُ على الإتيان به «. و» رجل جَبَّار: أي مُسَلَّط قاهر «، و» الجَبَّارُ هو: الذي يَقْتُلُ على الغَضَبِ و القَتَّال في غير حق «. وفي التنزيل:» وإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ «، وكذلك قول الرجل لموسى عليه السلام:» إِن تُرِيدُ إِلا أَن تكونَ جَبَّارًا في الأَرض «، أَي» قتَّالًا في غير الحق، وكله راجع إِلى معنى التكبر «، أي، وبحسب اللغة، إلى» العظمة والتجبُّر والترفُّع عن الانقياد «. وفي السياق اللغوي يمكن ملاحظة الشمول في عبارة» جَبَّارًا في الأَرض «!! بمعنى أن» الجبر «يقع على جميع من في الأرض وليس على جزء منها.

وفي التعبير السياسي الشائع فـ» الجبر «هو» الهيمنة «. و» اسم الفاعل «منها في اللغة هو» المُهَيمِن «، و» اسم المفعول: المُهيمَن عليه «. و» هيمن المُصلِّي: قال آمين «، أي:» اللهم استجب «أو» ليكن كذلك «، وهي هنا تفيد الخضوع والتسليم. وعن هيمنة الكتاب ورد في التنزيل:» مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ «: أي، بحسب تفسير السعدي،» مشتملا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة وزيادة في المطالب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت