د. أكرم حجازي
ثمة مقولة نفيسة للأديب الفرنسي الشهير فيكتور هيغو يقول فيها: «لا توجد قوة مهما عظمت يمكن أن تمنع قيام فكرة آن أوانها» . هكذا هي الثورات العربية بالضبط، والتي ليست سوى ولادة آن أوانها. فالأمة استقبلت كل أنواع الحقن الصليبية واليهودية والوثنية والدهرية والإلحادية المسمومة، وحبلت، وانتفخ بطنها إلى آن أوان ولادتها. وشاءت أقدار الله أن تكون بداية الطلقة الأولى لهذا المخاض العسير من تونس. وها هو الطَلَقُ يشتد، بعد مصر، انطلاقا من ليبيا. أما السؤال فهو: ما هي الفكرة التي آن أوانها؟
مطالب فريدة
الاستعمار ليس سوى فكرة استعلائية عنصرية تقوم على: (1) إحلال منظومة عقدية أو فكرية أو قيمية محل منظومة أخرى، أو (2) السيطرة على الخصوم والأنداد وإجبارهم على الاعتراف بالزعامة عبر مبدأ القوة القاهرة، أو (3) الاستحواذ على الثروات والموارد وإجمالي الخيرات في البلاد المستعمرة. هذه المبادئ الثلاث قابلة للتفصيل بحسب الفترة التاريخية، ولسنا هنا معنيين بذلك بقدر ما سنهتم بتلخيص الحالة التي صارت عليها الأمة.
فمع بدء العصر الميكانيكي، مطلع القرن التاسع عشر، وانتصار الرأسمالية في الغرب انطلقت العربة الاستعمارية لتحط رحالها في الجزائر (1832) ، واستهدفت، رفقة اليهود، باحة السلطة العثمانية عبر إغراقها بالديون وما اشتهر بنفوذ وامتيازات عهد القناصل الأوروبيين، فضلا عن الغزو الفكري الذي أخذ يستوطن في البلاد العثمانية انطلاقا من منتصف القرن الثامن عشر إلى أن انتهى بإصلاحات دستورية ذات مصدر أوروبي. ثم في مرحلة لاحقة بدأت الأمصار الإسلامية تتساقط الواحدة تلو الأخرى كما حصل في مصر وتونس سنة 1882. ومنذ هذا التاريخ بدأ الاستيطان اليهودي يتسرب، بشكل مباشر أو عبر القناصل الأوروبيين، إلى فلسطين.
خلال مراحل التاريخ الإسلامي كانت العلاقة مع القوى الغربية الصليبية تميل لصالح الجيوش الإسلامية التي استطاعت فتح القسطنطينية والتوغل في أوروبا إلى حد تهديد الإمبراطورية النمساوية التي كانت، في ذلك الوقت حاضرة أوروبا. أما الصليبيون فبالكاد تمكنوا من بعض الثغور في العالم الإسلامي خاصة على سواحل بلاد الشام. ومع ذلك فما كان لتدخلهم الحربي أن يهدد عقيدة أو ديارا أو معاشا إسلاميا. وعلى العكس من ذلك فقد تدافع المسلمون مع الغزوات الصليبية في صولات وجولات. وحتى بيت المقدس فلم ينل اغتصابها لقرن من الزمان من بيضة الإسلام كما نال منها اليوم منذ بداية الغزو الصليبي اليهودي الجديد.
فقط بعد الحرب العالمية الأولى، وانكشاف معاهدة سايكس - بيكو، وإطباق الغرب بكل قوته على ديار المسلمين، بشكل مباشر ودفعة واحدة، شعر العرب والمسلمون بأن جسما ثقيلا جثم على صدر الأمة، وفي عقر ديارها مرة واحدة، حتى أن سايكس - بيكو تحولت، مع الوقت، إلى حالة ثقافية مستعصية.
لو فتحنا كتب التاريخ الإسلامي قبل انهيار الإمبراطورية العثمانية لما وجدنا أي أثر لمصطلحات مثل الوطن أو المجتمع أو الاستقلال أو الحرية أو حق تقرير المصير أو السيادة أو العلم الوطني ... فهذه كلها مصطلحات غربية المنشأ والمحتوى. ومع ذلك فقد كانت القوى الاستعمارية سعيدة وهي تشاهد الحركات الوطنية المحلية تنبثق رافعة هذه المصطلحات كشعارات مقدسة ومطالب لا تنازل عنها!!!
لكن الحقيقة أن الأمة دخلت، مع مطلع القرن العشرين، في دورة حضارية ثقيلة الوقع. ويبدو أن الأمة أُغلق عليها تحت وقع الصدمة، ولم يعد بوسعها أن تفكر أو تستوعب ما يحصل لها أكثر من الحاجة إلى إزاحة هذا المارد الغريب والثقيل عن الصدر قبل أن تلتفت لأي أمر آخر. وهكذا ظلت في مخاض عسير استمر إلى أوائل الستينات، حيث توارى الاستعمار المباشر من الحياة العامة. وتبعا لذلك، ظنت الأمة أن إسرائيل لقمة سائغة يمكن إزالتها بالوحدة العربية أو بالأممية أو بالزعامات الراديكالية. فانشغلت بالاستعداد للمعركة الفاصلة فإذا بها تخسر ما تبقى من فلسطين، ويتجدد غزوها من جديد.
ظلت الدورة الحضارية الغربية والصهيونية مستمرة في العالم الإسلامي، وفي القلب منه العالم العربي، إلى يومنا هذا. وتعرض الإسلام والمسلمون إلى حروب طاحنة كانت الهزيمة، على الدوام من نصيبهم حيثما كانوا. وإذا كان الغرب قد تناوب على قيادة دورته الحضارية في الأمة فقد كان اليهود، وما زالوا، يلعبون دور رأس الحربة لهذه الدورة.
ما يحدث في الأمة من ثورات عاصفة لا يمكن أن تكون إلا حدثا تاريخيا يمكن أن يؤدي، لاحقا، إلى التحول من دورة تاريخية إلى دورة حضارية بامتياز. ولا شك أن الانقلاب بدأ من الصحوة الإسلامية وصولا إلى مرحلة الجهاد الأفغاني الأول، الذي مثل انعطافة حادة جدا أطاحت بإحدى أشرس الإمبراطوريات العظمى في التاريخ. من هنا بدأت المواجهة مع الغرب وأدواته وحلفائه تنحى منحًا جديدا، قائم على العقيدة خاصة بعد 11 سبتمبر 2001.
حتى الآن تخلو الثورات العربية، بشكل كبير، من المطالب العقدية كتطبيق الشريعة. فهي تتجنبها ليس نفورا منها أو كرها بها بل لأنها تخشى من توظيفها في حشد الخصوم لوأدها من قبل النظم السياسية والقوى المعادية لها. لكنها، ثورات، لا تخلو أبدا من المصطلح العقدي الذي تتصاعد وتيرته وتتبلور تباعا، سواء عبر صيحات التكبير والتهليل، أو عبر طلب الدعم والمساندة من المشايخ والعلماء، أو باستحسانها لمصطلح عقدي بارز صار يوصف به الزعماء العرب .. وهو مصطلح «الطاغوت أو الطاغية أو الطغيان أو الطغاة» الذي كان أشبه ما يكون من «اختصاص» تيارات الجهاد العالمي، بينما هو الآن من مفردات الخطاب الإعلامي ناهيك عن الخطاب الشعبي.
أكثر ما يلفت الانتباه بالثورات العربية يكمن في تركيزها على أمرين مميزين ألحقا أضرارا بالغة جدا في ماضي الأمة وحاضرها. وهما: (1) الطغيان بشتى أنواعه وتداعياته وأثره على الأمة و (2) النهب المنظم للثروات والموارد. هذان المعطيان سَلَبا لبَّ الثورات الشعبية بكافة الشرائح العمرية والثقافات والمكانات الاجتماعية والقوى السياسية. وتَصدَّرا رأس هرم الاحتجاجات، واستوطنا في أعماق النفس العربية. لكن أميز ما فيها أنهما معطيان لم يسبق للأمة أن طرحتهما، منذ انهيار الخلافة وحتى الثورات الحالية، ولا مرة واحدة بهذا الشمول والإصرار والتحدي والعناد.
حرارة الشعوب
الشعوب، إذن، لا تقلد بعضها أبدا كما يحلوا القول للرئيس اليمني وغيره من أصحاب مقولات: تونس ليست مصر .. واليمن غير الجزائر .. والسعودية دولة توحيد .. وتلك قبلية .. وهكذا. ولعل مثل هذه المقولات كانت تنطبق على ثقافات الشعوب وقيمها وعلاقتها البينية. لكنها لا تنطبق على نظم الطغيان السائدة فيها منذ زمن بعيد. ومن طرائف الثورات الراهنة أنها لم تشتك من أزمات اقتصادية بقدر ما اشتكت من الطغيان والنهب، خاصة وأن الشعوب تعلم علم اليقين أن البلاد العربية غنية الثروات والموارد. ولما تكون كذلك؛ فأين اختفت؟ هكذا أيضا تكتشف الشعوب ذواتها في لحظات ثمينة جدا من الزمن آن أوانها، لاسيما وأنها لم تكن بحاجة لأكثر من شرارة مع توفر الوقود التاريخي من الطغيان والنهب.
المحتوى القيمي والثقافي للشعوب كانت تعكس، إلى حد مريع، تنافرا وتشاحنا وتحقيرا فيما بينها. فالليبي، مثلا، كان يكره التونسي لأن هذا الأخير يحتقره ويقلل من مكانته. وكذا المصري الذي بدا منبوذا محتقرا من الشعوب العربية كلما شوهد يلهث في البلاد العربية محاولا الظفر بلقمة العيش لأبنائه، ولا بأس أن يتجرع في سبيلها مرارة الذل والقهر والدونية، وكأن حظه من الدنيا موقوف على أن يظل أحط العبيد رغم أنه صاحب أعرق حضارة إنسانية. والأردني يتوجس خيفة من الفلسطيني، وهذا الأخير يستعلي عليه!!! والشامي إجمالا ينظر إلى الخليجي والسعودي خاصة وكأنه زير نساء يمتلك من المال ما يجعله يستعبد به غيره بينما هو في الحقيقة بدوي