منذ الثلاثاء الماضي بدأ الحديث عن عقوبات ضد ليبيا. ومنذ أول أمس طلبت فرنسا وبريطانيا من مجلس الأمن مناقشة مشروع قرار عقوبات يستهدف، في الظاهر، شلّ قدرات القذافي عن شن هجمات على المدنيين. ومن بين البنود المطروحة: (1) حظر جوي على ليبيا يستهدف منع القذافي من استخدام الطائرات في قصف المدنيين بما فيها الطائرات المروحية، وكذلك وقف تدفق جيوش المرتزقة على البلاد، ومنع سفر المسؤولين الليبيين، و (2) تجميد أرصدة السلطة الليبية من الأموال المودعة في الخارج، و (3) فرض حظر على تصدير الأسلحة، و (4) إحالة ملفات المتورطين في الاعتداء على المدنيين على المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية .. والأكيد أن قائمة البنود مرشحة للمزيد.
في المحصلة؛ ما يسعى الغرب إلى القيام به ليس سوى استعماله لأدواته العدوانية التقليدية ممثلة بمجلس الأمن ومؤسساته التابعة له ضد الشعوب، وليس ضد النظم الديكتاتورية التي ما زال يقدم لها اليدعم والحماية في شتى أنحاء العالم. فالغرب هدد الرئيس المصري حسني مبارك، وحث على تنحيته عن السلطة، ولم يسمح ببقاء الرئيس التونسي في الحكم رغم أن عدد القتلى لم يصل إلى المائة!! إلا أنه صبر على تهديدات القذافي رغم تواتر الأنباء عن القصف الجوي لحشود المواطنيين والمذابح الوحشية فضلا عن التهديد بالحروب الأهلية وأنهار الدماء من زعيم لا يمتلك أية شرعية تذكر ولا من أي نوع.
مع أن الليبيين يبدون فاقدي الحيلة إزاء جرائم القذافي ووحشيته إلا أنهم لا يتقبلون أي تدخل عسكري غربي في بلادهم. ولا أحد يتمنى من العرب أو المسلمين أي تدخل من الغرب. فالعقوبات والظهور بمظهر المتألم من الجرائم بحق المدنيين يكذبه التاريخ الطويل والمستمر للغرب تجاه الشعوب المستضعفة لاسيما العربية منها والإسلامية. فالغرب يبحث فقط عن مصالحه. والسؤال الآن: إذا كان الغرب مقتنعا بأن القذافي لم يعد يسيطر على ليبيا، ولا يمكنه البقاء في الحكم؛ فلماذا يتدخل مجلس الأمن لفرض عقوبات على سلطة زائلة؟ ولماذا يناقش إمكانية حظر جوي بينما ثمة في الغرب نفسه من يرى صعوبة تطبيقه على الواقع بحجة اتساع الحدود وطول الشواطئ؟ ولما تكون الثورة في تونس ومصر قد نجحتا؛ أليس من الأولى ملاحقة أرصدة هؤلاء الآن بدلا من ملاحقة أرصدة زعامة زائلة يمكن فيما بعد ملاحقتها عن طريق الحكومة الجديدة؟
الأكيد أن مشروع العقوبات لا يستهدف القذافي ولا سلطته بقدر ما هو مشروع عدواني وشرير يجب إسقاطه وإظهار العداء له وليس التصفيق له أو تمني صدوره وكأنه حبل النجاة من جرائم يرتكبها القذافي بتواطؤ غربي منحط. كما أنه قرار عدواني ليس الشعب الليبي إلا أول ضحاياه .. قرار يمهد لمحاصرة ليبيا الثورة، وحجز ثرواتها، والتحكم في مواردها لاحقا، ومنع تقدمها، وتنميتها، أو الاستفادة من مواردها، حتى تكون أدوات ضغط مذلة ومهينة على الشعب الليبي وقاهرة للشعوب العربية والإسلامية.