بطبيعة الحال ثمة فرق، بين من تباكى عليه، جهلا أو حزنا أو خسارة لمنفعة جناها، ومن استنكر خشية من نهج انتظم، لا شريعة فيه ولا أخلاق ولا قانون. فما شاهدناه، من تصرف مشين بحق الطاغية، لا يمكن أن يبرره قانون أو شرع أو أخلاق، فضلا عما كسبه من تعاطف بعد كل ما ارتكبه من جرائم. أما المعتصم فقد كان حيا، كأبيه، وفي وضعية الأسر الهادئة، لكنه قتل .. و قتلت بقية الحاشية، وقبلهم عبد الفتاح يونس .. أما وسائل الإعلام فلم تتوقف، ومنذ شهور، عن نقل التقارير الحقوقية، وهي تتحدث عن تجاوزات، وانتقامات، وتصفيات، وإعدامات بالجملة، لمعارضين أو خصوم، لا ندري صدقها من كذبها.
لكن، طالما لا يوجد أي تفسير منطقي أو شرعي أو قانوني لما حدث سابقا، ويحدث؛ فستظل المخاوف مشروعة، والأسئلة مطروحة حول حقيقة وقائع الثورة الليبية، وإلا من يجزم بأن ما يجري وافق الشرع، بما يحفظ للناس حقوقهم، وممتلكاتهم، وحياتهم؟ ومن يستطيع أن يؤكد، أو ينفي، بأن عمليات القتل، ليست سوى إعدامات بأوامر من «الناتو» ؟ إذ لا يعقل أن يكون هذا السيل من التقارير، مجرد تكهنات أو معلومات مغرضة، ولم يعد مقبولا أن نستمع لمزيد من التهديدات التي يطلقها عبد الجليل، بين الحين والحين، بالاستقالة من رئاسة المجلس الانتقالي، أو تحذيراته من «المتطرفين القلة» ، أو وعوده بإجراء التحقيقات اللازمة، دون أن تتضح الصورة بما يكفي لطمأنة الناس والأمة. وإلا فمن سيأمن على نفسه وحقوقه في ظل هذا الغموض؟ ومن سيضمن ألا يتحول ما يجري إلى نهج سياسي وقانوني؟ وبالتالي إلى أدوات ابتزاز لأعضاء المجلس الانتقالي نفسه، الذين يبدو أن «النشوة» التي يعيشونها جعلتهم بمنأى عن المساءلة في يوم ما؟
العجيب أن وقائع الثورة الليبية تجري وكأنها في المريخ، وليس في العالم العربي. بل أن عامة الناس، وليس خاصتهم، فحسب، انقسموا حولها أكثر مما انقسموا على الثورات العربية الأخرى. وانقلب الكثير منهم عليها بعد مقتل القذافي وابنه. وبدت الثورة، لنا ولغيرنا، كأنها شأن «الجزيرة» و «الناتو» أكثر مما هي شأن الأمة. فعلامَ يصفق الناس للمجلس الانتقالي: هل على طمأنة المستشار عبد الجليل للغرب، الذي لم يحتمل تصريحا له يرى في الشريعة «المصدر الرئيسي للتشريع» !!!؟ وكأن في ليبيا نصارى حتى يكون هناك مصدر آخر للتشريع!!! أو ربما سيكون فيها نصارى فيما بعد!!! أوَ ليست هذه العبارة اليتيمة «المصدر الرئيسي للتشريع» ، شكلا ومضمونا، هي المادة الثانية من الدستور المصري، التي تخوض الكنيسة، واللبراليون والعلمانيون واليساريون والزنادقة، ضدها حربا شعواء لشطبها؟ ويهددون بلائحة المبادئ الحاكمة للدستور، أو بتنصير مصر، وطلب «الحماية الدولية» ، بسببها؟
ما من ثورة حظيت بتغطية إعلامية من قناة «الجزيرة» كـ «الثورة الليبية» !!! لكن ما من ثورة حظيت بهذا الكم الهائل من الغموض كـ «الثورة الليبية» !!! فجأة ظهر مصطفى عبد الجليل يتحدث عن حكومة ليبية بالمنفى، وما هي إلا يومين أو ثلاثة، حتى تحول الحديث إلى مجلس انتقالي لم ترينا «الجزيرة» من أعضائه إلا حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، أمثال محمود جبريل وعلي الترهوني ومحمود شمام وعبد الحفيظ غوقة وعبد