فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 413

القوى الاستعمارية هي من أرسى التفتيت وبنياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلا أن القوى المحلية وحركات التحرر المسلحة سرعان ما وقعت في فخ الأطروحات الاستعمارية ذاتها لما نادت بالقومية والشيوعية والوطنية ورفعت شعارات الحرية والاستقلال الوطني وحق تقرير المصير ... وهو ما جاءت به القوى الاستعمارية أصلا لتحقيقه.

لكن أخطر ما في «سايكس - بيكو» ، التي طبقت مباشرة على بلاد الشام والعراق، أنها تضخمت على نحو لا يمكن تصوره، حتى أنها استقرت في عقول العامة والخاصة على السواء، وغدت حالة ثقافية، وعنوانا حضاريا ومعطىُ أشد قداسة من دين الله عز وجل. وتبعا لذلك صار كل مسلم يفتخر ويعتز بوطنه من إندونيسيا وماليزيا إلى مراكش، بل وأصبح للحارات والأحياء موسوعات تتحدث عن حضارات لها ما قبل التاريخ.

لا يهمنا هنا البحث عن مصادر الشرعية التي حصل عليها «النظام» طوال عقود. لكن في البداية لا بد من الانتباه جيدا إلى أن هذا «النظام» جرى تصميمه:

(1) باعتباره نمط مجتمعي نموذجي مقبول، وسهل للمعيش السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإنساني لمجموعة بشرية في مساحة جغرافية معينة؛ اشتهرت باسم الدولة الفلانية وشعب الدولة الفلاني. بل أن بعض الدول لم يكن عدد سكانها يزيد عن بضعة عشرات من الآلاف صارت تطلق على سكانها لقب أمة! ورغم أن النمط محصلة تاريخية لعملية استعمارية صارخة إلا أنه حظي بالشرعية والحصانة حتى من السكان بمختلف فئاتهم، إلى أن بدا خارج الاستهداف حتى هذه اللحظة.

(2) وباعتباره مجموعة آليات اشتغال فعالة. بقاؤها واستمراريتها مرهون بما (أ) يفرزه النظام من قيم وثقافات محلية مهمتها ترقية وجود النظام وترسيخه، أو بما (ب) يقدمه، عبر هذه الآليات، من خدمات وامتيازات للأفراد والفئات والتشكيلات الاجتماعية المكونة له.

(3) وباعتباره قوة غير مرئية، خفية الملامح والتشخيص والسيطرة والتحكم، تفوق قوة المجموعة البشرية التي تعيش في ظله، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. لذا فهو غير قابل للطعن أو التفكك أو الانهيار. لذا فإن توقع انتفاض السكان على «النظام» ، بهذه المواصفات، أو سحب الشرعية منه أو الانفضاض عنه يبدو ضربا من الخيال. كما أن تجريم العيش في «النظام» أو الانتماء إليه أو الانتفاع بمؤسساته ليس معقولا أبدا، ولا يمكن أن يكون مجديا طالما أنه تعبير عن «نمط مقبول» و «آلية اشتغال فعالة» و «قوة خفية» تجدد اشتغالها بنفسها بغض النظر عن أية ضغوط أو تدخلات.

إذن لـ «النظام» منطق لا يصح تجاوزه أو التلاعب به بسهولة. فهو يشتمل على العديد من البنى والأنظمة المعقدة كالنظام الاجتماعي والنظام السياسي والنظام الاقتصادي والنظام الثقافي والنظام القيمي وغيرها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت