للشريعة التي ينبغي تطبيقها دفعة واحدة لا أن يتم التعامل مع أحكامها وكأنها ما زالت تنزل. والأهم أن مسألة «التدرج» بدت غير واضحة المعالم، سواء تعلق الأمر بالأحكام الشرعية أو بتهيئة المجتمع أو بالعلاقة مع الدولة ... وقد تسبب هذا الغموض بجعل الأطروحة موضع شك لدى المعارضين لها، لكنه، في المقابل، بدا جذابا للمدافعين عنها، وحجة للمجادلين بغير علم.
أما الحركيين الذين يقرؤون «التمكين» في صورة أغلبية، عبر صناديق الاقتراع، فيبدون أكثر حرارة ومصداقية من دعاة «التدرج» ، وأقرب إلى الشرعيين، لكنهم يفترقون معهم على مشروعية الوسائل المستخدمة في الوصول إلى غايات شرعية. لكن بند «شرعية الوسائل» ، أيضا، ليس واضح المعالم إذا ما طبق في قضايا العلاقة مع الدولة.
أما الواقع فيقول بأنه ثمة مسافة زمنية شاسعة بين الناس والحكم الشرعي، قد تصل إلى أكثر من 300 سنة خلت، وثمة عشرات الأجيال لم تعش يوما ما في مجتمع إسلامي، ولم تعد تدرك أي معنى للأحكام الشرعية، وبالتالي فهي لا تشعر، واقعيا، بأية قيمة للشريعة فيما توفره لها من منجاة وعدالة وأمن، وثمة قطاعات واسعة جدا في المجتمعات العربية لا تعرف من الإسلام أكثر من الانتماء إليه ولادة. فقد ورثت الإسلام حضارة وهوية شخصية، ولم ترثه شريعة. لذا ثمة فرق بين أن نتساءل مثلا: «هل نحن معنيين برأي الناس في تطبيق الشريعة» ؟ أو: «هل من الضروري أن نفكر كيف يمكن إعادة توطين الإسلام حضارة وتاريخا وشريعة وحياة في المجتمع» ؟
ولا شك أن للعبارة: «رأي الناس في تطبيق الشريعة» مذاهب شتى، لا يجوز حملها فقط على أطر غير شرعية، تنتهي بالمفاضلة بين الشريعة وغيرها من المذاهب الوضعية. كما أنه لا يصح توجيه مذاهب «العبارة» لخدمة أغراض ومصالح لا شرعية.
إذا كان للحكم الشرعي أن يجد له مكانا يمكن أن يُحدِث أثرا ملحوظا في حياة الأمة، فلا مفر من اجتهادات معاصرة، ودراسات عميقة، تقع في صلب السياسة الشرعية، وتأخذ على عاتقها تَفَقُّد الواقع من جميع جوانبه، للكشف عن كل خباياه. فحتى الآن لا تمتلك أية جماعة أطروحة مفصلة وواضحة وشاملة حول تطبيق الشريعة، ولا إجابات عن أية مشكلة أو عائق، ولا عن كيفية التغلب عليها. وكلها تعمل بـ «الثرثرة» أو بمقتضى ما هو متوفر!! فكثيرا ما تبدو على وفاق مع النظام، فإذا توفرت الانتخابات عملت بها، لكنها في ظل الاستبداد تخضع له، وإذا ظُلمت أو هددت بالسجن هاجرت إلى المنافي، وإذا تصالحت مع النظام عادت إلى مواطنها .. هكذا هي .. لم تضف جديدا يقبل الاجتهاد أو التفكير بقدر ما كانت جزء من ذات المنظومة.
وفي المحصلة فإن كل ما هو متاح، في أحسن الأحوال، حكم شرعي على الواقع، يقبله البعض وينكره آخر. ومع ذلك فقد لاقى نجاحات محدودة، لكنه لم يحمل الأمة على دينها، ولم يقو على ردع الأعداء والخصوم