الثورة السورية قدمت نموذجا خلاقا، ودرسا ثريا، وإسنادا عجيبا، للثورات العربية لا يقدر بثمن. فهي ثورة شعب مميز ضد مشروع نظام حكم طائفي مدمر، يحظى بكل الدعم الدولي والعربي والإقليمي والوطني والقومي واليساري واللبرالي!!! ومع أن الشعب السوري يدرك أن كل من حوله أعداء، إلا أن ثورته انطلقت نظيفة، دون أن تنتظر عونا من أحد، ودون أن تسمح بأي تدخل أجنبي فيها. وقدمت تضحيات هائلة، وسط طوفان من الأكاذيب والنفاق والصمت والتجاهل لم تنل من عزمها وإصرارها، ولم يلوث نقائها غدر أو خباثة كزيارة السفير الأمريكي لمدينة حماه .. هكذا قدم الشعب السوري نفسه، فاكتشفته الأمة .. شعبا عزيزا، شامخا، شجاعا، نبيلا، صبورا، صادقا وحازما .. فيا سعد أمة الإسلام به .. ويا تعس كل من خذله.
أما النظام السوري فلا يستطيع تجاهل المأزق الذي يعيشه، سواء في مواجهة الثورة المدنية أو ثورة الجيش، القوة الأشد رعبا للنظام. ولا يستطيع أن يتجاهل خطورة التسرب والانشقاقات الواقعة في الجيش، وهي تتوالى تباعا بالتوازي مع عمليات تنفذها الوحدات المنشقة، إما لتأمين الحماية والملاذ الآمن لها وإما لحماية السكان. ولا يستطيع النظام أيضا أن يستمر في الحكم دون أن يدفع الثمن سياسيا وشرعيا وأخلاقيا وقانونيا، عن تاريخه وحاضره المشين. ولا يمكن له بأي حال من الأحوال أن يَحْمل الدولة والمجتمع على شرائعه الباطلة.
لكن إذا كان الحديث عن الحوار أو الانتقال السلمي للسلطة، عند المعارضة، تبرره، في أحسن الأحوال، الخشية من الانجرار إلى حرب طائفية؛ فإن يوميات المواجهة المدنية مع النظام، رغم شدة وحشيته، وصلت إلى قمة التحدي والسخرية (35) منه. ومن يتابع أهازيج الثورة، وشعاراتها، ونكاتها البالغة السخرية، على ألسنة العامة، يدرك الشعور العميق الذي بلغه السوريون، من نشوة، تجاه ما يعتقدون أنها «لحظة حرية (36) » لا يمكن التفريط بها، ولو بدماء أطفالهم.
«لحظة الحرية» هذه، فارقت السوريين أربعين عاما لكنها لم تفارق بواطنهم، ولا حناجرهم منذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة. فهم على النقيض من جماعات المقاومة والممانعة، الذين ظنوا أنهم صادفوا الحرية منذ أربعين سنة. فأي حرية ينعم بها ضيف لم يعرف لها المضيف يوما رائحة ولا لونا؟ فإن كان المقاومون نعموا، حينا ونسبيا، بحرية شرّعت للنظام بقاءه، فلأنهم لم يكونوا أزيد من أدوات عمل في ورشة الاستبداد والظلم. ومن يعتقد غير ذلك فليراجع حساباته على الساحة اللبنانية، ليقف على حجم الكوارث التي أوقعها النظام في القوى الفلسطينية والعربية واللبنانية، أيا كانت انتماءاتها. فبأي حق يكون النظام أرحم على شعبه إذا كانت أدواته لم تفلت من بطشه؟
مشكلة الأمة في جهل مثقفيها ونخبها أو في عمالتهم الصريحة أو في غرورهم وأهوائهم ومصالحهم. ومشكلة الأنظمة أنها مستبدة حتى لو أدركت أنها مجرد وديعة استعمارية. وفي الحالتين كان الصراع مع الأنظمة والنخب، على الدوام، دمويا، بدايةً ونهاية. هؤلاء الذين يدافعون عن النظام السوري، مثلا، سبق لهم وتقلبوا في المواقف منه