فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 413

النظام، منذ اللحظة الأولى، إلى إفراغ أقصى ما يستطيع من فزعه في كل من يعترض عليه أو يشعر بأنه قادر على اعتراضه، صغيرا كان أو كبيرا، عبر الاحتماء باستراتيجية وحيدة لا يمتلك سواها، بديلا عن الحرب الأهلية، وهي: «الترويع .. ولا شيء غير الترويع» .

استراتيجية قابلة للتصعيد بحسب الحاجة ابتداء من:

-فرض الحظر الإعلامي كأول الأدوات اللازمة للسيطرة على ردود الفعل المحلية والدولية. ولعله أمر لا يخلو من دلالة بالغة أن تلجأ إيران الصفوية إلى تزويد النظام بما يحتاجه من خبرات في تقنيات الاتصال، ووسائل للمراقبة والتحكم والسيطرة؛

-إطلاق النار على المتظاهرين في أول مسيرة بمدينة درعا. وهذا يكذب مزاعم النظام ووسائل إعلامه ومتحدثيه الرسميين وغير الرسميين عن لجوء قوات الأمن إلى استعمال السلاح بعد مضي أسبوعين على انطلاق الأحداث، وكذا إيقاع أقسى صنوف التعذيب والقتل ضد المعتقلين لاسيما الأطفال منهم، كما حدث لأطفال درعا الأربعة عشر، أو للطفل حمزة الخطيب (13 عاما) ، الذي بدا جسده مصليا كما لو أنه شُوِيَ في مخبز، فضلا عن قطع عضوه التناسلي وتثقيب جسده بالرصاص؛

-ممارسة القتل والتعذيب والتمثيل على أوسع نطاق عبر الاستهداف المتعمد لمنطقة الرأس، وإحداث فجوات وشروخات وتصدعات مرعبة، فضلا عن قلع العيون وسلخ الجلود وقطع الأرجل؛

-استعمال أسلحة استراتيجية كالدبابات والطائرات في مواجهة الأعداء كأدوات قمع ضد المدنيين!

بطبيعة الحال؛ فالنظام الذي حظر على وسائل الإعلام العربية والدولية، وكل المؤسسات الحقوقية والإغاثية والإنسانية، الاقتراب من الحدث السوري للتحقيق في وقائعه، ليس معنيا بأي حوار أو إصلاحات، ولا بإثبات مصداقيته أو براءته أو إنسانيته بقدر ما هو معني باستمراريته .. ولا ريب أن كل من شاهد أنصار النظام، من شبيحة وأمثالهم، قد تملكته الدهشة والذهول من مستوى الفحش والبذاءة الأخلاقية في ألفاظهم وشعاراتهم .. لكنها الحقيقة الصارخة لمن لم يسبق له أن خَبِرَ العفة والكرامة أصلا، أو عرف لها سبيلا .. ففاقد الشيء لا يعطيه.

لكن هذه الثقافة والاستراتيجية يدركها الشعب السوري قبل أن تنطلق ثورته!!! فقد جربها وعاشها لعقود طويلة، ودفع ثمنها من الدماء والقهر ما لم يدفعه أي شعب عربي. ولئن نجح اليمنيون في إسقاط خيار الحرب الأهلية فإن الريف الذي أطلق الثورة السورية، وغذاها بدمائه صعَد من احتجاجاته وتحديه للسلطة إلى حد إسقاط استراتيجية الترويع، وتفريغ أعتى أدوات الردع للنظام من فاعليتها .. وإلى الدرجة التي أفقدته صوابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت