عبارة لا تحتاج إلى تأويلات كي نكتشف فيها أن مدنية الثورات تعني أنه ليس من طبيعتها حمل السلاح ولا من اختصاصها ولا من أهدافها. وفي هذا ما يفسر إلى حد كبير رفض الثورات الشعبية أية أطروحات أيديولوجية كي لا تختزل الأهداف المرجو تحقيقها في صورة مكاسب حزبية ومصالح عارضة. فالشعوب ما كان لها أن تنزل إلى الشوارع لتنتزع حقوقها وتستعيد مدنيتها إلا بعد أن فقدت ثقتها التامة في النظم السياسية والقوى الحزبية التي فشلت، طوال عقود، في حماية نفسها حتى من الانزلاق ناهيك عن حفظ الحقوق أو استعادتها وحتى المساومة عليها.
لكن عبارة «إن الإنسان مدني بالطبع» تلزمنا في التفتيش عن الأهداف المدنية التي تؤرق «مدنية» الحياة الإنسانية. ولو استطلعنا كل الساحات الشعبية، الساخنة والباردة، لما وجدنا مطلبا ملحا لدى العامة من الناس، أقرب، إلى النفس، من مطلب الحرية والكرامة .. ولا شك أنها مطالب مدنية وليست مطالب سياسية أو أيديولوجية. ولأن هناك من استعبد الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا، فمن صميم الطبيعة الإنسانية أيضا ألا يقبل الناس الطغيان أو يستمر إلى الأبد، وأن يتحمل المستبدون مسؤولية أفعالهم، بحيث يدركوا المعنى الدقيق للشعار الشهير: «الشعب يريد إسقاط النظام» بوصفه المسؤول الأول عن الاستعباد.
إذن؛ بما أن الحراك الشعبي مدني بالطبع فلا يمكن له إلا أن يستعمل وسائل وأدوات تعكس مدنية الإنسان، إلا إذا ألجأته الظروف إلى الاستعانة وسائل غير مدنية. وفي هذه اللحظة لا بد من تواري الحراك الشعبي عن واجهة الأحداث لصالح قوى منظمة ومؤهلة لخوض صراع مسلح. لكن يبقى السؤال: من هو المسؤول عن الاستبداد: النظام المحلي؟ أم النظام الدولي؟
تساؤل يمس جواهر الحركة الشعبية وأهدافها، لكنه ليس مطروحا بعد للتداول في الشوارع العربية، رغم أنه من سيحدد، عاجلا أم آجلا، ما إذا كانت الشعوب ستضطر إلى الانتقال من «مدنية» الشارع إلى «عسكرته» ؟ إذ أن مقدار الحرية المنشودة ستحدد للشعوب ما إذا كانت قادرة، فعلا، على التحكم باختياراتها والسيطرة على مواردها أم أنها ما زالت رهينة الهيمنة الدولية.