قبل الرسالة النبوية لم يكن العرب إلا قبائل متصارعة. بعدها؛ وحتى انهيار الخلافة صار العرب مسلمين تحت الحكم الإسلامي .. حقيقة تاريخية أصيلة تتداولها الألسن وبطون الكتب بغزارة إلى يومنا هذا، ولم يطعن بمشروعيتها أحد .. حقيقة امتدت لنحو 1330 عاما متصلة بلا انقطاع .. حقيقة لم يماثلها في الاستمرارية أي نظام في التاريخ الإنساني كله!!! مع ذلك ثمة من ينكرها على الأمة، ويدافع باستماتة عن صناعة استعمارية باسم «سايكس - بيكو» ، أضاعت البلاد والعباد في خمسين عاما، وجعلتها نهبا ومشاعا لها ولمن غلب!! فكيف تكون مشكلات الشعوب واقعة حقا في الحرية والدولة المدنية والدستور، واعتبارها مطالب شرعية يمكن الوثوق بها والركون إليها!!!؟
اليوم يعلن ورثة «سايكس - بيكو» ، بصريح القول والفعل، أنهم الأصل في الحياة والوجود. أما غيرهم من الشعوب والقبائل التي خلقها الله، عز وجل، لتتعارف، وأكرم بعضها في الإسلام، فليست سوى الاستثناء الذي يستحق أن يتلقى أقسى صنوف الاستعباد والقتل أو يعلن استسلامه التام لهم .. ورثة جهزوا أنفسهم وعتادهم وأعلنوا الحرب على الشعوب فردا فردا، واستحلوا الدماء بلا حساب، ودمروا البلاد حجرا حجرا، وسحقوا كل ماض وحاضر ومستقبل بالقوة المسلحة، شاء من شاء وأبى من أبى!!! هذا ما عرضه صالح والقذافي والأسد على الشعوب كنماذج حية لأقوال وأفعال قابلة للشهادة والتأريخ والتوثيق على مدار الزمن. فمن يستطيع أن يجزم بأن النظم الأخرى ستكون أحسن حالا مما يشهد به الواقع؟ وبأي معيار يمكن النظر لهذه الدول والنظم باعتبارها مكسبا للأمة أو إنجازا يستحق الحفاظ عليه والدفاع عنه؟
في الحديث النبوي عن الخلافة، يقول صلى الله عليه وسلم، وفق إحدى الروايات، نقلا عن حذيفة: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت» .
إذن الثابت شرعا وعقلا أن المسلمين سيعيشون مرحلتي «الخلافة الراشدة» . وإذا كانت الأولى قد مضت فالمقرر شرعا أنهم بانتظار الثانية، وعلى منهاج النبوة. لكن ما بين «الأولى» و «الثانية» ثمة نوعين من الحكم هما: «الملك العضوض» و «الملك الجبري» . وغني عن القول أن كليهما ليسا راشدين، وبالتالي ليسا على منهاج النبوة!!! ولما تكون أغلب القراءات تؤكد أن مرحلة «الملك العضوض» انتهت فسنكون حكما في مرحلة «الملك الجبري» ، باعتبار أن «الخلافة الراشدة» الثانية لم تظهر بعد.
الآن، وبصريح القول، إذا اعتبرنا أن الشعوب العربية تواجه حكما جبريا من الخارج وفي الداخل، فمن العبث التصرف وفق عقلية النعامة، والمطالبة بدولة مدنية أو دستور مدني .. نقول «عبث» لأننا: (1) سنكون كمن يهرب إلى مربع الخصم، أو كالمستجير من الرمضاء بالنار. ولأن (2) تداعيات الثورات العربية إما أن تؤول