فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 413

وبدون إطالة يمكن القول بكل اطمئنان، أن مشكلة إيران مع الغرب هي مشكلة نفوذ وتقاسم مصالح. لكن الجعجعة القائمة بين الجانبين ليس لها من قيمة سوى الاستهلاك الإعلامي. فطبقا لرصد د. عبد الله النفيسي ثمة لوبي في إيران، وآخر أمريكي في الكونغرس، يسعيان، بجهد حثيث ومؤثر، إلى إرساء تحالف استراتيجي لتبادل المنافع في المنطقة. ووفقا لرؤية كل طرف؛ فلا تبدو إسرائيل عدوة لإيران، ولا تبدو هذه الأخيرة عدوة لإسرائيل والغرب، زيادة على كون الطرفين يستهدفان العرب وأهل السنة تحديدا، باعتبارهم القوة العقدية الوحيدة القادرة على مواجهة المشاريع الغربية والصهيونية والإيرانية في المنطقة، وتهديدها.

في هذا السياق تمثل سوريا النصيرية، ذات الجذر العقدي المشترك مع الشيعة الجعفرية، رأس الجسر لمرور المشروع الصفوي. أما مواقف إيران الأخيرة، التي انتقلت من النقيض إلى النقيض بخصوص الثورة السورية، فهي تقع في مستويين: (1) إما لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى من خطاب سياسي، جردته الثورة السورية من أية مشروعية تذكر، وأوقعته بحرج كبير وصل إلى حد الفضيحة المدوية، خاصة وأنه تبنى احتجاجات الشيعة في البحرين بينما وصف ثورة الشعب السوري بالمؤامرة الأمريكية على ما يراه نظام مقاومة في سوريا، وهي فضيحة تكاد تودي بأساسات المشروع وتفقد إيران «المقاومة» كل تعاطف، و (2) وإما بسبب توفر العراق بديلا عن سوريا. ومثل هذا الأمر يراود شيعة العراق لاسيما مقتدى الصدر الذي سبق له وعبر عن الترحيب بإيران في العراق بديلا عن الأمريكيين بعد انسحابهم!!! وفي كل الأحوال يبدو العراق المرشح الأوفر حظا في القدرة على احتواء الوضع المتفجر في المنطقة، ولو إلى حين.

-تركيا. في ورقة أعددناها لمؤتمر العلاقات العربية - التركية (الكويت - يناير 2011) بعنوان: «تركيا: أسئلة التاريخ والمصير» ، قدمنا فيها خمسة أسئلة كبرى، وتساءلنا في أُولاها عن هوية تركيا القادمة إلى المنطقة، إنْ كانت تركيا كمال أتاتورك العلمانية أو تركيا العثمانية؟ لكن الورقة استفزت البعض بينما راقت البعض الآخر من الأتراك. ولا ريب أن التساؤل سيظل مطروحا إلى أن يجيب عليه الأتراك صراحة. فالثابت أن تأسيس تركيا الحديثة جاء على يد يهود الدونمة الذين استطاعوا تفكيك الدولة العثمانية من الداخل. ولا ريب أن هذا المعطى تتداوله كتب المؤرخين والباحثين، دون أن يجد كثيرا من الاعتراضات عليه.

لكن أولى محاولات الإجابة عليه بدأت مع تباشير صعود الإسلاميين إلى السلطة، وبالتحديد حين وصول نجم الدين أربكان إلى الحكم. حيث تبين للمراقبين أن تطبيق الشريعة لم تكن من أولوياته بقدر ما كان مستغرقا في كيفية استعادة هوية تركيا عبر تخليصها من التبعية للغرب وتحريرها من طغيان الحركة الصهيونية فيها!!!

وكي نتلمس قدرات تركيا على تحقيق مثل هذا الهدف واقعيا يكفي أن نطرح سؤالا معينا على أحد الأتراك، ثم نراقب قسمات وجهه. يقول السؤال: لماذا يمتنع الأتراك حتى الآن عن التعرض للمسألة اليهودية في تركيا، لاسيما يهود الدونمة؟ لماذا لا توجد كتابات عن المسألة لدى الباحثين الأتراك رغم مرور قرابة المائة عام على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت