فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 592

ومما يتعلق بهذا تنازعهم في المعرفة الواجبة: هل تحصل بالعقل أو بالشرع؟ وكثير من النزاع في ذلك لفظي وبعضه معنوي فمن ادعى أن المعرفة لا تحصل إلا بطريقة الأعراض والتركيب ونحو ذلك من الطرق المبتدعة التي للمعتزلة والمتفلسفة ومن وافقهم كان النزاع معه معنويا

ونحن نعلم بالاضطرار من دين الرسول وسلف الأمة بطلان قول هؤلاء وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا بهذه الطرق ولا علق إيمانه ومعرفته بالله بهذه الطرق بل القرآن وصف بالعلم والإيمان من لم يسلك هذه الطرق ولم ابتدع بعض هذه الطرق من ابتدعها أنكر ذلك سلف الأمة وأئمتها ووسموا هؤلاء بالبدعة والضلالة

ثم القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر لا يمشي على قول من يقول: لا واجب إلا بالشرع كما هو قول الأشعرية وكثير من أصحاب مالك و الشافعي و أحمد وغيرهم فإنه على هذا التقدير لا وجوب إلا بعد البلوغ على المشهور وعلى قول من يوجب الصلاة على ابن عشر سنين أوسبع لا وجوب على من لم يبلغ ذلك وإذا بلغ هذا السن فإنما يخاطبه الشرع بالشهادتين وإن كان لم يتكلم بهما وإن كان تكلم بهما خاطبه بالصلاة

وهذا هو المعنى الذي قصده من قال: أول الواجبات الطهارة والصلاة فإن هذا أول ما يؤمر به المسلمون إذا بلغوا أو إذا ميزوا كما [قال صلى الله عليه وسلم: مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع]

ولهذا قال الأئمة كالشافعي و أحمد وغيرهما: يجب على كافل الصبي أن يأمره بالطهارة والصلاة لسبع ولم يوجب أحد منهم على وليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد شهادتين ولا نظر ولا استدلال ونحو ذلك ولا يؤمر بذلك بعد البلوغ وإن كان الإقرار بالشهادتين واجبا باتفاق المسلمين ووجوب ذلك يسبق وجوب الصلاة لكن هو قد أدى هذا الواجب قبل ذلك: إما بلفظه وإما بمعناه فإن نفس الإسلام والدخول فيه إلتزام لذلك

وهنا مسائل تكلم الفقهاء فيها فمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين أو أتى بغير ذلك من خصائص الإسلام ولم يتكلم بهما؟ والصحيح أنه يصير مسلما بكل ما هو من خصائص الإسلام

فإن قال هؤلاء: يعني بكونه أول الواجبات: أنه أول العبد من الواجبات؟ قيل: قد يؤدي قبل ذلك واجبات: من قضاء الديون وأداء الأمانة وصلة الأرحام والعدل وغير ذلك

فإن قيل: لكن هذا أول واجب يتعلق به الثواب في الآخرة بخلاف ما أدي بدونه فإنه لا ثواب فيه في الآخرة؟

قيل: مع قولنا بأنه لا وجوب ولا ثواب في الآخرة إلا بالشرع فلا يثاب لا على هذا وعلى هذا قبل مجيء الشرع ولا يجب لا هذا ولا هذا إلا بالشرع وإذا خاطبه الشارع الناس فإنما يأمر العبد ابتداء لما لم يؤده من الواجبات دون ما أداه فلم يخاطب المشركين ابتداء بالمعرفة إذ كانوا مقرين بالصانع وإنما أمرهم بالشهادتين ولو لم يكونوا مقرين بالصانع فإنه لم يأمرهم بإقرار مجرد عن الشهادتين بل أمرهم بالشهادتين ابتداء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت