ثم قال: {أولم يتفكروا ما بصاحبهم} فالضمير عائد إلى المكذبين فإنه قال تعالى: {أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة} ثم قال تعالى: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون} فقول هؤلاء كأبي المعالي وغيره: (أول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعا القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدث العالم) هو في الأصل من كلام المعتزلة وهو كلام مخالف لما أجمع عليه أئمة الدين ولما تواتر عن سيد المرسلين بل لما علم بالاضطرار من دينه
وإذا قدر أن أول الواجبات هو النظر أو المعرفة أو الشهادتان أو ماقيل فهذا لا يجب على البالغ أن يفعله عقب البلوغ إلا إذا لم يكن قد فعله قبل البلوغ فأما من فعل ذلك قبل البلوغ فإنه لا يجب عليه فعله مرة ثانية لا سيما إذا كان النظر مستلزما للشك المنافي لما حصل له من المعرفة والإيمان فيكون التقدير: اكفر ثم آمن واجهل ثم أعرف وهذا كما أنه محرم في الشرع فهوممتنع في العقل فإن تكليف العالم الجهل من باب تكليف ما لا يقدر عليه فإن الجاهل يمكن أن يصير عالما فإذا أمر بتحصيل العلم كان ممكنا أما العالم فلا يقدر أن يصير جاهلا كما أن من رأى الشيء وسمعه لا يمكن أن يقال لا يعرفه فمن كان الله قد أنعم عليه وشرح صدره للإسلام قبل بلوغه فحصل له الإيمان المتضمن للمعرفة لم يمكن أن يؤمر بما يناقض المعرفة من نظر ينافي المعرفة أو شك أو نحو ذلك بل الأمر لمن حصل له علم ومعرفة أن يقدم ذلك ثم يحصله مثل تكليف من حصل له قصد الصلاة ونيتها بأن يقدم ذلك ثم تحصل النية وهذا مع أنه من باب الجهل والسفه والضلال فهو من باب تكليف العباد ما يعجزون عنه ولهذا يقال: الوسوسة لا تكون إلا من خبل في العقل أو جهل بالشرع
وقد اتفق الفقهاء على أن الصبي إذا تطهر قبل البلوغ لم يجب عليه إعادة الوضوء إذا بلغ وكذلك لوكان عليه ديون فقضاها أو قضاها وليه لم يجب عليه إعادة القضاء بعد البلوغ بل لو صلى الفرض في أول الوقت ثم بلغ ففي إعادة الصلاة عليه نزاع معروف بين العلماء ومذهب الشافعي لا تجب الإعادة وهو قول في مذهب أحمد ومن الناس من يضعف هذا القول ولعله أقوى من غيره فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا من الصبيان بإعادة الصلاة مع العلم بأن كثيرا منهم يحتلم بالليل وقد صلى العشاء مع بقاء وقتها
والمقصود هنا أن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ
والشهادة تتضمن الإقرار بالصانع تعالى وبرسوله لكن مجرد المعرفة بالصانع لا يصير به الرجل مؤمنا بل ولا يصير مؤمنا بأن يعلم أنه رب كل شيء حتى يشهد أن لا إله إلا الله ولا يصير مؤمنا بذلك حتى يشهد أن محمدا رسول الله ثم كون ما يجب من العرفة لا يحصل إلا بالنظر أو يمكن حصوله بدونه؟ وهل أصل المعرفة فطرية ضرورية أو نظرية؟ أو يحصل بهذا تارة ولهذا تارة؟ والنظر المحصل لها: هل يتعين في طريق معين أو لا يتعين؟ هذه مسائل أخر