فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 592

الْإِنْسَ وَالْجِنَّ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ (إنْ فَسَّرَهَا بِالْعِبَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَهِيَ الطَّاعَةُ لِلَّهِ وَالطَّاعَةُ لِرُسُلِهِ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ وَاقِعَةً مِنْهُمْ وَلَمْ تَقَعْ؛ فَأَرَادَ أَنْ يُفَسِّرَهَا بِعِبَادَةِ وَاقِعَةٍ وَظَنَّ أَنَّهُ إذَا فَسَّرَهَا بِعِبَادَةِ لَمْ تَقَعْ لَزِمَهُ قَوْلُ الْقَدَرِيَّةِ وَأَنَّهُ خَلَقَهُمْ لِعِبَادَتِهِ فَعَصَوْهُ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ وَغَيْرِ قُدْرَتِهِ فَفَرُّوا مِنْ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ وَهُمْ مَعْذُورُونَ فِي هَذَا الْفِرَارِ؟ لَكِنْ فَسَّرَهَا بِمَا لَمْ يَرِدْ بِهَا كَمَا يُصِيبُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فِي الْآيَاتِ الَّتِي يَحْتَجُّ أَهْلُ الْبِدَعِ بِظَاهِرِهَا كَاحْتِجَاجِ الرَّافِضَةِ بِقَوْلِهِ: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} عَلَى مَسْحِ ظَهْرِ الْقَدَمَيْنِ فَنَرَى الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ يَذْكُرُونَ أَقْوَالًا ضَعِيفَةً هَذَا يَقُولُ مَجْرُورًا بِالْمُجَاوَرَةِ كَقَوْلِهِمْ جُحْرِ ضَبٍّ خَرِبٍ وَنَحْوِ هَذَا مِنْ الْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ وَكَذَلِكَ مَا قَالُوهُ فِي قَوْلِهِ {فَحَجَّ آدَمَ مُوسَى} وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَ"الْقَوْلُ السَّادِسُ"- وَإِنْ كَانَ أَبُو الْفَرَجِ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا إلَّا أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ - وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُمْ لِعِبَادَتِهِ وَهُوَ فِعْلُ مَا أُمِرُوا بِهِ وَلِهَذَا يُوجَدُ الْمُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى حَتَّى فِي وَعْظِهِمْ وَتَذْكِيرِهِمْ وَحِكَايَاتِهِمْ كَمَا فِي حِكَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ؛ مَا لِهَذَا خُلِقْت وَلَا بِهَذَا أُمِرْت؛ وَفِي حَدِيثٍ إسْرَائِيلِيٍّ: {يَا ابْنَ آدَمَ خَلَقْتُك لِعِبَادَتِي فَلَا تَلْعَبْ وَتَكَلَّفْت بِرِزْقِك فَلَا تَتْعَبْ فَاطْلُبْنِي تَجِدْنِي؛ فَإِنْ وَجَدْتنِي وَجَدْت كُلَّ شَيْءٍ؛ وَإِنَّ فُتُّك فَاتَك كُلُّ شَيْءٍ وَأَنَا أَحَبُّ إلَيْك مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} وَهَذَا هُوَ الْمَاثُورُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ فَذَكَرُوا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: إلَّا لِآمُرَهُمْ أَنْ يَعْبُدُونِ وَأَدْعُوهُمْ إلَى عِبَادَتِي. قَالُوا: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى {وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ} وَقَوْلُهُ: {وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا} وَهَذَا اخْتِيَارُ الزَّجَّاجِ وَغَيْرِهِ. وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ مُجَاهِدٍ بِالْإِسْنَادِ الثَّابِتِ؛ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ثِنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ثِنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ شِبْلٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ} لِآمُرَهُمْ وَأَنْهَاهُمْ"كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ:"مَا خَلَقْتهمَا إلَّا لِلْعِبَادَةِ". وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} يَعْنِي لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى وَقَوْلُهُ: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} أَيْ لَوْلَا عِبَادَتُكُمْ وَقَوْلُهُ: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} وَقَوْلُهُ: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} ؟ إلَى قَوْلِهِ: {وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} وَقَوْلُهُ: {أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} {وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} الْآيَاتِ. وَمَا بَعْدَهَا. وَقَالَتْ الْجِنُّ لَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ: {يَا قَوْمَنَا إنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ} الْآيَةَ. وَمَا بَعْدَهَا. وَقَالَتْ الْجِنُّ: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا} الْآيَةَ. وَمَا بَعْدَهَا. وَقَدْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} فَقَدْ أَمَرَهُمْ بِمَا خَلَقَهُمْ لَهُ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ إلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَمُحَمَّدٌ أُرْسِلَ إلَى الثَّقَلَيْنِ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى الْجِنِّ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ. وَجَعَلَ يَقْرَأُ: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} يَقُولُونَ: وَلَا بِشَيْءِ مِنْ آلَائِك رَبِّنَا نُكَذِّبُ فَلَك الْحَمْدُ. فَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي قُصِدَ بِالْآيَةِ قَطْعًا وَهُوَ الَّذِي تَفْهَمُهُ جَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ وَيَحْتَجُّونَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت