فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 592

بِالتَّهَوُّدِ وَالتَّنْصِيرِ وَذَلِكَ كَانَ مَكْتُوبًا أَنْ يَكُونَ. وَصَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ إنَّمَا قَالَهُ لِيُبَيِّنَ مَا خُلِقُوا لَهُ وَقَدْ قَصَدَ هَذَا طَائِفَةٌ فَسَّرُوا الْعِبَادَةَ بِأَمْرِ وَاقِعٍ عَامٍّ وَلَيْسَتْ هِيَ الْعِبَادَةَ الْمَامُورَ بِهَا عَلَى أَلْسُنِ الرُّسُلِ فَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْمُضَافِ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: إلَّا لِيُقِرُّوا بِالْعُبُودِيَّةِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَهَذِهِ الْعُبُودِيَّةُ كَقَوْلِهِ: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} وَقَوْلِهِ: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} وَفَسَّرَتْ طَائِفَةٌ"الْكَرْهَ"بِأَنَّهُ جَرَيَانُ حُكْمِ الْقَدَرِ فَيَكُونُ كَالْقَوْلِ قَبْلَهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ انْقِيَادُهُمْ لِحُكْمِهِ الْقَدَرِيِّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ، كَاسْتِسْلَامِهِمْ عِنْدَ الْمَصَائِبِ وَانْقِيَادِهِمْ لِمَا يَكْرَهُونَ مِنْ أَحْكَامِهِ الشَّرْعِيَّةِ فَكُلُّ أَحَدٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ انْقِيَادِهِ لِحُكْمِهِ الْقَدَرِيِّ وَالشَّرْعِيِّ فَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ. قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ لَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْعِبَادَةَ. وَكَذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: إلَّا لِيَخْضَعُوا لِي وَيَتَذَلَّلُوا قَالُوا: وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي اللُّغَةِ - التَّذَلُّلُ وَالِانْقِيَادُ وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ خَاضِعٌ لِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَذَلِّلٌ لِمَشِيئَتِهِ. لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِنَفْسِهِ خُرُوجًا عَمَّا خُلِقَ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا. قَالَ: وَبَيَانُ هَذَا قَوْلُهُ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} وَهَذِهِ الْآيَةُ تُوَافِقُ مَنْ قَالَ: إلَّا لِيَعْرِفُونِ؛ كَمَا سَيَاتِي. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ لَمْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ كَرْهًا بِخِلَافِ إسْلَامِهِمْ وَخُضُوعِهِمْ لَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَرْهًا وَأَمَّا نَفْسُ الْإِقْرَارِ فَهُوَ فِطْرِيٌّ فُطِرُوا عَلَيْهِ وَبَذَلُوهُ طَوْعًا. وَقِيلَ"قَوْلٌ رَابِعٌ": رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ السدي: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ} قَالَ: خَلَقَهُمْ لِلْعِبَادَةِ فَمِنْ الْعِبَادَةِ عِبَادَةٌ تَنْفَعُ وَمِنْ الْعِبَادَةِ عِبَادَةٌ لَا تَنْفَعُ {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} هَذَا مِنْهُمْ عِبَادَةٌ وَلَيْسَ يَنْفَعُهُمْ مَعَ شِرْكِهِمْ وَهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ لَكِنَّ الْمُشْرِكَ يَعْبُدُ الشَّيْطَانَ وَمَا عَدَلَ بِهِ اللَّهَ لَا يُعْبَدُ وَلَا يُسَمَّى مُجَرَّدُ الْإِقْرَارِ بِالصَّانِعِ عِبَادَةً لِلَّهِ مَعَ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ وَلَكِنْ يُقَالُ كَمَا قَالَ: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} فَإِيمَانُهُمْ بِالْخَالِقِ مَقْرُونٌ بِشِرْكِهِمْ بِهِ وَأَمَّا الْعِبَادَةُ فَفِي الْحَدِيثِ {يَقُولُ اللَّهُ: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ وَهُوَ كُلُّهُ الَّذِي أَشْرَكَ} فَعِبَادَةُ الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ جَعَلُوا بَعْضَهَا لِلَّهِ لَا يَقْبَلُ مِنْهَا شَيْئًا بَلْ كُلُّهَا لِمَنْ أَشْرَكُوهُ. فَلَا يَكُونُونَ قَدْ عَبَدُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إلَّا لِيُوَحِّدُونِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُوَحِّدُهُ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُوَحِّدُهُ فِي الشِّدَّةِ وَالْبَلَاءِ دُونَ النِّعْمَةِ وَالرَّخَاءِ بَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} . وَقِيلَ"قَوْلٌ خَامِسٌ"ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ ابْنِ جريج قَالَ: لِيَعْرِفُونِ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ قتادة وَذَكَرَهُ البغوي عَنْ مُجَاهِدٍ. قَالَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ إلَّا لِيَعْرِفُونِ. قَالَ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْلُقْهُمْ لَمْ يَعْرِفْ وُجُودَهُ وَتَوْحِيدَهُ، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} فَيُقَالُ: هَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ؛ وَكَوْنُهُ إنَّمَا عُرِفَ بِخَلْقِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّ خَلْقَهُمْ شَرْطٌ فِي مَعْرِفَتِهِمْ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ الْمَعْرِفَةِ هُوَ الْغَايَةُ الَّتِي خُلِقُوا لَهَا وَهَذَا مِنْ جِنْسِ قَوْلِ السدي؛ فَإِنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ الْعَامَّ هُمْ مُشْرِكُونَ فِيهِ كَمَا قَالَ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ} لَكِنْ لَيْسَ هَذَا هُوَ الْعِبَادَةَ. فَهَذِهِ"الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ": قَوْلُ مَنْ عَرَفَ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فَأَرَادَ أَنْ يُفَسِّرَهَا بِعِبَادَةِ تَعُمُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت