فهرس الكتاب

الصفحة 342 من 1257

يكون إلا بأفصح اللغات وأصحها. قال ابن عطية: وقال أبو عبيدة: هو خفض على الجوار؛ وقوله هذا خطأ. قال النحاس: ولا يجوز إضمار عن؛ والقول فيه أنه بدل. وقرأ الأعرج «يَسْأَلُونكَ عَنِ الشَّهْرِ الحرام قتالٌ فيه» بالرفع. قال النحاس: وهو غامض في العربية، والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه؟ فقوله: «يسألونك» يدل على الاستفهام؛ كما قال امرؤ القيس:

أَصاحِ تَرى بَرْقًا أُرِيكَ وَمِيضَه ... كَلَمْعِ اليدَيْن في حَبيٍّ مُكَلَّلِ

والمعنى: أترى برقًا، فحذف ألف الاستفهام؛ لأن الألف التي في «أصاح» تدل عليها وإن كانت حرف نداء؛ كما قال الشاعر:

تَرُوحُ مِن الحَيّ أم تَبْتَكِر ... والمعنى: أتروح؛ فحذف الألف لأن أم تدل عليها.

الرابعة قوله تعالى: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} ابتداء وخبر، أي مستنكر؛ لأن تحريم القتال في الشهر الحرام كان ثابتًا يومئذ إذ كان الابتداء من المسلمين. والشهر في الآية اسم جنس، وكانت العرب قد جعل الله لها الشهر الحرام قوامًا تعتدل عنده، فكانت لا تسفك دمًا، ولا تُغير في الأشهر الحُرُم، وهي رجب وذو القَعدة وذو الحجة والمحرّم؛ ثلاثة سَرْد وواحد فَرْد. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «المائدة» إن شاء الله تعالى.

الخامسة قوله تعالى: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله} ابتداء {وَكُفْرٌ بِهِ} عطف على «صدّ» {والمسجد الحرام} عطف على سبِيلِ اللَّهِ {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ} عطف على صدّ، وخبر الابتداء {أَكْبَرُ عِندَ الله} أي أعظم إثما من القتال في الشهر الحرام؛ قاله المَبرّد وغيره. وهو الصحيح، لطول منع الناس عن الكعبة أن يطاف بها. «وكُفْرٌ بِهِ» أي بالله، وقيل: «وكُفْرٌ بِهِ» أي بالحج والمسجد الحرام. «وَإخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ» أي أعظم عقوبة عند الله من القتال في الشهر الحرام. وقال الفرّاء: «صدّ» عطف على «كبير» . «والمسجد» عطف على الهاء في «به» ؛ فيكون الكلام نسقًا متصلًا غير منقطع. قال ابن عطية: وذلك خطأ؛ لأن المعنى يسوق إلى أن قوله: «وكفر به» أي بالله عطف أيضًا على «كبير» ، ويجيء من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر عند الله، وهذا بيَّن فساده. ومعنى الآية على قول الجمهور: إنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام، وما تفعلون أنتم من الصدّ عن سبيل الله لمن أراد الإسلام، ومن كفركم بالله وإخراجكم أهلَ المسجد منه؛ كما فعلتم برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر جُرْمًا عند الله. وقال عبد الله بن جَحش رضي الله عنه:

تَعُدُّون قَتْلًا في الحرام عظيمةً ... وأعظمُ منه لو يَرَى الرُّشدَ راشِدُ

صُدُودكُمُ عما يقول مُحمّدٌ ... وكُفرٌ به واللَّهُ راءٍ وشاهدُ

وإخراجكم من مسجد اللَّه أهلَه ... لئلا يُرى للَّه في البيت ساجدُ

فإنّا وإنْ عيّرتمونا بقَتْله ... وأرجفَ بالإسلام باغ وحاسدُ

سَقْيَنا من ابن الحَضَرْميّ رماحنا ... بنَخْلَةَ لمّا أوْقَد الحَربَ واقدُ

دَمًا وابن عبد الله عثمان بيننا ... يُنازعه غُلٌّ من القِدِّ عانِدُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت