وما يزال دين الحق ظاهرا على الدين كله - حتى بعد انحساره السياسي عن جزء كبير من الأرض التي فتحها، وبخاصة في أوربا وجزر البحر الأبيض. وانحسار قوة أهله في الأرض كلها بالقياس إلى القوى التي ظهرت في الشرق والغرب في هذا الزمان.
أجل ما يزال دين الحق ظاهرا على الدين كله، من حيث هو دين. فهو الدين القوي بذاته، القوي بطبيعته، الزاحف بلا سيف ولا مدفع من أهله! لما في طبيعته من استقامة مع الفطرة ومع نواميس الوجود الأصلية؛ ولما فيه من تلبية بسيطة عميقة لحاجات العقل والروح، وحاجات العمران والتقدم، وحاجات البيئات المتنوعة، من ساكني الأكواخ إلى سكان ناطحات السحاب!
وما من صاحب دين غير الإسلام، ينظر في الإسلام نظرة مجردة من التعصب والهوى حتى يقر باستقامة هذا الدين وقوته الكامنة، وقدرته على قيادة البشرية قيادة رشيدة، وتلبية حاجاتها النامية المتطورة في يسر واستقامة. . (وكفى بالله شهيدا) . .
فوعد الله قد تحقق في الصورة السياسية الظاهرة قبل مضي قرن من الزمان بعد البعثة المحمدية. ووعد الله ما يزال متحققا في الصورة الموضوعية الثابتة؛ وما يزال هذا الدين ظاهرا على الدين كله في حقيقته. بل إنه هو الدين الوحيد الباقي قادرا على العمل، والقيادة، في جميع الأحوال.
ولعل أهل هذا الدين هم وحدهم الذين لا يدركون هذه الحقيقة اليوم! فغير أهله يدركونها ويخشونها، ويحسبون لها في سياساتهم كل حساب! في ظلال القرآن - (ج 6 / ص 486)
ـــــــــــــــ
قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (29) سورة التوبة
بَعْدَ أَنِ اسْتَقَامَتِ الأمُورُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، بِدُخُولِ النَّاسِ فِي الإِسْلاَمِ، أمَرَ اللهُ تَعَالَى بِقِتَالِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ، لِذَلِكَ تَجَهَّزَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم لِقِتَالِ الرُّومِ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ، وَأَظْهَرَهُ لَهُمْ، وَنَدَبَ المُؤْمِنِينَ إِلَى الجِهَادِ، وَتَخَلَّفَ بَعْضُ المُنَافِقِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ العَامُ عَامَ جَدْبٍ، وَالْوَقْتُ فِي شِدَّةِ الحَرِّ، وَخَرَجَ الرَّسُولُ وَصَحْبُهُ إِلَى تَبُوكَ، فَنَزَلَ بِهَا، وَأَقَامَ فِيهَا قُرَابَةَ عِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ رَجَعَ لِضِيقِ الحَالِ، وَضَعْفِ النَّاسِ.
فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالإِسْلاَمِ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَرَضَ اللهُ عَلَى المُسْلِمِينَ قِتَالَهُ، حَتَّى يُعْطِيَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ مَقْهُورَةٍ مَغْلُوبَةٍ، وَهُوَ خَاضِعٌ صَاغِرٌ.
وَيَجِبُ قِتَالُ أَهْلِ الكِتَابِ إِذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِمْ أَرْبَعُ صِفَاتٍ هِيَ العِلَّةُ فِي عَدَاوَتِهِمْ لِلإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ:
-أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، لأَنَّهُمْ هَدَمُوا التَّوْحِيدَ فَاتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ مُشَرِّعِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ المَسِيحَ وَعُزَيْرًا.