فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 1257

ابن عباس قد ورد عنه أن ذلك كان في أوّل ليلة من رجب، والمسلمون يظنونها من جمادى. قال ابن عطية: وذكر الصاحب بن عَبّاد في رسالته المعروفة بالأسدية أن عبد الله بن جحش سُمِّي أمير المؤمنين في ذلك الوقت لكونه مؤمّرًا على جماعة من المؤمنين.

الثانية واختلف العلماء في نسخ هذه الآية؛ فالجمهور على نسخها، وأن قتال المشركين في الأشهر الحُرُم مباح. واختلفوا في ناسخها؛ فقال الزهريّ: نسخها {وَقَاتِلُوا المشركين كَآفَّةً} [التوبة: 36] . وقيل: نَسَخها غَزْوُ النبيّ صلى الله عليه وسلم ثَقِيفًا في الشهر الحرام، وإغزاؤه أبا عامر إلى أَوْطَاس في الشهر الحرام. وقيل: نَسَخها بيعة الرِّضوان على القتال في ذي القعدة، وهذا ضعيف؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتل عثمان بمكة وأنهم عازمون على حربه بايع حينئذ المسلمين على دفعهم لا على الابتداء بقتالهم. وذكر البيهقيّ عن عُروة بن الزبير من غير حديث محمد بن إسحاق في أثر قصة الحضرميّ: فأنزل الله عز وجل {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ} الآية، قال: فحدّثهم الله في كتابه أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان، وأن الذي يستحلّون من المؤمنين هو أكبر من ذلك من صدّهم عن سبيل الله حين يسجنونهم ويعذّبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرهم بالله وصدّهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعُمْرة والصلاة فيه، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سُكّانه من المسلمين، وفتنتهم إيّاهم عن الدِّين؛ فبلغنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم عَقَل ابن الحَضَرْميّ وحرم الشهر الحرام كما كان يحرّمه، حتى أنزل الله عز وجل: {بَرَآءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ} [التوبة: 1] . وكان عطاء يقول: الآية مُحْكَمة، ولا يجوز القتال في الأشهر الحُرُم، ويحلف على ذلك؛ لأن الآيات التي وردت بعدها عامة في الأزمنة، وهذا خاص والعام لا ينسخ الخاص باتفاق. وروى أبو الزبير عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يُغْزَى.

الثالثة قوله تعالى: {قِتَالٍ فِيهِ} «قتال» بدل عند سيبويه بدل اشتمال، لأن السؤال اشتمل على الشهر وعلى القتال، أي يسألك الكفار تَعجُّبًا من هتك حُرْمة الشهر، فسؤالهم عن الشهر إنما كان لأجل القتال فيه. قال الزجاج: المعنى يسألونك عن القتال في الشهر الحرام. وقال القُتَبيّ: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام هل يجوز؟ فأبدل قتالا من الشهر؛ وأنشد سيبويه:

فما كان قيسٌ هُلْكُه هُلْكَ واحدٍ ... ولكنه بُنيانُ قومٍ تَهدَّمَا

وقرأ عكرمة «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قَتْلٍ فيه قُلْ قتلٌ» بغير ألف فيهما. وقيل: المعنى يسألونك عن الشهر الحرام وعن قتال فيه؛ وهكذا قرأ ابن مسعود؛ فيكون مخفوضًا بعن على التّكرير، قاله الكسائيّ. وقال الفرّاء: هو مخفوض على نية عن. وقال أبو عبيدة: هو مخفوض على الجوار. قال النحاس: لا يجوز أن يُعربَ الشيء على الجوار في كتاب الله ولا في شيء من الكلام، وإنما الجوار غلط؛ وإنما وقع في شيء شاذ، وهو قولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ؛ والدليل على أنه غلط قول العرب في التّثنية: هذان: حجرا ضَبّ خَرِبان، وإنما هذا بمنزلة الإقواء، ولا يجوز أن يحمل شيء من كتاب الله على هذا، ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت