فالخير الذي فيه دخن مثل الحالة التي نراها ومثل حالة بني عثمان؛ أن أصله خير وفيه دخن، وليس أصله دخن وفيه خير. وهذه التعابير لها مدلولات شرعية، أصله خير فيه دخن؛ أصله شريعة وفيه أمور خبيثة. مثل أيام بني أمية، فتجد بعض المخالفات في القبور والنساء وبعض المشاكل، ولكن الأصل شريعة وخير ودفاع وحرب على أعداء الله، فيجب أن نأخذه لأننا إذا ما أخذنا هذا الخير الذي فيه شر، سيأتينا شر أسوأ منه بمائة مرة. فتقارن بين هذا وذاك وتتصرف.
والذي يساعدك على هذا الفهم معرفة التاريخ وما كان فيه، ومن التاريخ أن أبطال المسلمين الذين فتحوا شمال إفريقيا، فوصلوا إلى هنا منهم رجل من التابعين -رضي الله عنه- اسمه موسى بن نصير، يكفي أنه مات عن بضع وثمانين سنة يقول:"أحمدُ الله غزوتُ بضعًا وأربعين غزوة ما نُكب المسلمون تحت رايتي في معركة واحدة"!.
وعندما يقول (غزوة) فهي ليست مثل خروجنا للخط ساعتان؛ غزوة في ست أشهر أو سنتين، يخرج من المدينة لشمال إفريقيا، أي يركب الحصان سنتان ليصل مكان المعركة، فهذا موسى بن النصير أرسل مولاه طارق بن زياد وفتح الأندلس.
فتوح الأندلس جميلة وهناك كتاب جميل لمؤرخ عراقي، وهناك بعض المؤرّخين العراقيين المهمين جدًا، منهم المؤرخ (عبد الرحمن علي الحجّي) ، من الإخوان المسلمين، وهؤلاء الناس من الأشياء التي أبدعوها على ما فيهم أن عندهم كوادر عظيمة جدًا، وفيهم مؤرخّون في الحركة الإسلامية حقيقة تقدَّر جهودهم، كما نقدّر للشيخ عائض على أخطائه -نسأل الله له المغفرة-، نقدّر لهؤلاء الناس على بلاويهم أنهم دفعوا في الإسلام دفعة.
فالشاهد أن عبد الرحمن الحجي له كتاب اسمه (تاريخ الأندلس) مهم، كتاب ضخم تجد فيه هذه البلاوي كلها من فتوح الأندلس إلى سقوط غرناطة.
الشاهد أن موسى بن النصير رجع بالغنائم، ويقول ابن كثير في الروايات أن فيها مائدة سليمان التي جلس عليها الإنس والجن، وحتى فيها القمقم الذي حبس فيه الجن، وفتحوه وخرج الجني وتكلموا معه، وقصص ومن الروايات والمجوهرات شيء عجيب.
فجاء بهذا الموكب عند الوليد، وكان الوليد بن عبد الملك تحضره الوفاة فجاء بعده سليمان، فأرسل لموسى بن النصير أن أخّر دخولك بهذه الغنائم لأن كافة أهل الخلافة يريدون أن يروا هذه الأعاجيب التي تأتي، أعاجيب، لا يعرف العرب حيوانًا أكبر من الجمل، وهم أتوا بالفيلة مزينة بالمجوهرات، ومن إسبانيا أتوا بالأحمر والأصفر والمزركش.
فخرجت الناس تنظر، فقال له سليمان أخّر هذا الموكب حتى يكون فاتحة عهدي، فيكون هذا بشرى للناس، فقال له:"هذا خير حصل في زمن الوليد، والوليد حي"، فدخل بالغنائم على الوليد، فغضب سليمان، وما لبث الوليد أن مات، فأخذ سليمان هذا القائد العظيم وعرّوه من ثيابه، ودهنوه بالزيت ووضعوه في الشمس، وهو رجل عمره بضع وثمانون عامًا، حتى مرض وجلس في بيته وأدركته الوفاة فيما بعد، فهذا الجنرال العظيم قتلوه من أجل إدخال الغنائم!.