فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 613

في مرحلة هشام والوليد وسليمان امتدَّت الفتوح امتدادًا عجيبًا جدًا، من الصين إلى الأندلس، دخلوا الأندلس في آخر عهد الوليد وأول عهد سليمان، سليمان الذي عمَّر المسجد الأموي في دمشق، اشتراه من النصارى وكان كنيسة، وفيه قبر سيدنا زكريا كما يزعمون -والله أعلم-.

وإذا تأملت القصص التي تُذكر عن تلك المرحلة تجد تنافس الناس في الدين والدنيا، وحتى تأخذوا فكرة أقول كنت في البداية ترى الإنسان صحابيًا صالحًا ليس بدينه شائبة، ثم تأتي إلى التابعين فتجد أغلبهم صالحين وتجد فيهم شائبة. ثم تأتي بعد هذا فتجد إنسانًا فيه صلاح ومجاهد وعالم فذ إلى آخره، وفيه غيرة وتنافس مع العلماء وصراع على الحكم والدنيا وضغائن ومكائد، حتى لا تستكبروا ما يحصل في هذا الزمان.

جاءني واحد يقول: كيف الطالبان يأخذون أموالًا غلولًا، ويسرقون أموالًا، كيف نجاهد معهم؟ نحن نروي لك التاريخ حتى تستوعب أن هذا أمر عادي، كان هناك غلول في جيش الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهو قليل. ثم أذكر لك التاريخ حتى تستوعب كيف كان الناس، وتستوعب الوضع كما هو، وتأخذ أحسن ما فيه، لنصدّ به أعداء الله -سبحانه وتعالى-، وليس أن نتركه لأن فيه بعض المشاكل.

في يوم الفتح أمرهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ألَّا يدخلوا عنوة ولا يقتلوا أحدًا ولا يغنموا شيئًا، ولا يُحدثوا أي قوة أو بأس في فتح مكة. فخرج ليستقبل جيش مكة أبو قحافة والد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-؛ عبد الله بن أبي قحافة. فأبو قحافة خرج ومعه بنته وهي أخت أبي بكر، وكان ضريرًا، فدخل جيش الفتح، فأُخذ منها العقد.

فلما علموا خرج أبو بكر يقول: يا أيها الناس أنشدكم الرَّحم وعقد أختي، لا يجوز هذا، لا يحل، وكررها ولم يُرجعه أحد. فقال قولًا ضعوه في بالكم وقيسوا عليها كل جيوش بني عثمان وبني طالبان .. إلخ، قال:"احتسبي عقدك يا أخية، فإن الأمانة في الناس اليوم قليل"، هذا صبيحة فتح مكة!، جيش به 10 آلاف مقاتل، فيه المهاجرون والأنصار وهم بأخلاق الملائكة، ولكن هناك جمع من الناس أمانتهم قليلة.

في حروب الردة، وهذه من الوصايا التي عُرفت بعد الوفاة، أن أحد الصحابة قُتل في المعركة، فرآه أحد الصحابة في المنام فقال له:"أنا قُتلت وغلّ فلان درعي، وتجده مستورًا بترس له في آخر المعسكر، فخذه واقضِ به دين كذا وكذا"، رآه في الرؤية، فقصَّها على أبي بكر -رضي الله عنه- فأجازه، وهذا حصل في جيش الصحابة وكله من القرّاء!.

وهكذا مضت الأمور حتى تجد في زماننا إنسانًا أغلبه شر وفيه خير، وإنسانًا أغلبه خير وفيه شر. لذلك قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا الحديث الذي يلزمنا الآن لفهم الطالبان وغير الطالبان، في حديث حذيفة حين قال:) يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟) قَالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: (وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟) قَالَ: «نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ» قُلْتُ: (وَمَا دَخَنُهُ؟) قَالَ: «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ» ) [1] .

(1) صحيح البخاري (3606) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت