فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 613

فقضية الاصطفاء هذه هي للتكليف، أن الله -سبحانه وتعالى- اختار أقوامًا وأشخاصًا وأراضٍ، فجعل الكعبة أفضل مكان وأفضل بيت، وجعل اليمن فيها حكمة، وجعل الشام فيها بركة، وهكذا.

يقول تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} في بعض التفاسير أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يجلس معه سلمان الفارسي، فوضع -صلى الله عليه وسلم- يده على كتفه وقال: (هذا وقومه) [1] ؛ أي: إن تتولّوا أيها العرب يستبدل قومًا غيركم؛ أي الأعاجم.

وهذا حدث عندما انتكست راية الإسلام في فترة بني العباس فانتقلت إلى الفرس، ثم انتقلت إلى الترك، وبقي الدفاع عن دين الإسلام 700 سنة بيد الأتراك، ثم 200 سنة في دولة الطوائف، و 500 سنة في دولة بني عثمان. وبقي الأتراك هم حاملو الراية إلى أن ضعف الأتراك، ثم عاد الإسلام مرة أخرى إلى بلاد الأعاجم من بلاد الفرس والترك.

ففي تلك المرحلة دخل الفرس وكانوا جزءًا هامًا وأساسيًا من جغرافيا الإسلام، وتاريخ الإسلام وسياسة الدولة. وسوف نتكلم عن دولة بني العباس، وما حصل فيها من مشاكل عرقية وطائفية.

فعندما انتهى المسلمون من فارس وصلت المعركة إلى صورتها الطبيعية والنهائية، فلم يبقَ في الميدان أمام المسلمين إلا الروم، وأصبحت المعركة من زمن عثمان -رضي الله عنه-: (الإسلام ضد الروم) ، وهذه المعادلات تهمّنا جدًا.

في مرحلة عثمان بدأت غزوات البحر؛ فغزوا جزر البحر المتوسط، وفي منتصف مرحلة عثمان بدأ الغزو يخبوا وظهرت الأَثَرة وأقبلت الدنيا، حتى أنّه في من زمن عمر بن الخطاب حُمل إيوان كسرى، وكان فيه سجادة واحدة، قطعة واحدة على قدر الإيوان كله، مصنوعة من الحرير ومزركشة بالذهب والفضة والمجوهرات، وكان التاج ثقيلًا جدًا جدًا، محمولًا بالسلاسل إلى سقف القصر، فيأتي كسرى يجلس تحته!، فعلى ما فيه من الضخامة وما به من الذهب والمجوهرات قُسّم كله قطعة قطعة، حتى جاؤوا بهذه السجادة العظيمة وقطّعوها قطعًا ووُزّعت على الناس في الغنائم.

ففتحت الدنيا حتى جاء رجل إلى عمر بن الخطاب بصحن كبير من مجوهرات كسرى يحملها طوال الطريق، ووضعها أمام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: (إن رجالًا أدوا إلينا هذا لأُمناء) ، يعني من يأتي بكل هذه المجوهرات كل هذه المسافة ويضعها في بيت المال يجب أن يكون أمينًا، لأنها تغريه أن يأخذها.

فعندما جاءت مرحلة عثمان كان الخير قد دخل على المسلمين كما بشّرهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال: فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ لاَ الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ

(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه (7123) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1017) . ونصّه: [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالُكُمْ} [محمد: 38] ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إِنْ تَوَلَّيْنَا اسْتُبْدِلُوا بِنَا، ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَنَا؟ فَضَرَبَ عَلَى فَخِذِ سَلْمَانَ الْفَارِسَيِّ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا وَقَوْمُهُ لَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسٍ» ].

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت