مسلّطون لليهود على قوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية والضريبة من أهل الإسلام، معتذرون بضرورة لا تبيح ما حرم الله، غرضهم فيها استدام نفاذ أمرهم ونهيهم.
فلا تغالطوا أنفسكم ولا يغرَّنكم الفسَّاق والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السّباع، المزيّنون لأهل الشَّر شرهم، النَّاصرون لهم على فسقهم.
فالمخلص لنا فيها الإمساك للألسنة جملة واحدة إلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذم جميعهم؛ فمن عجز منا عن ذلك رجوت أن تكون التقية تسعه، وما أدري كيف هذا، فلو اجتمع كل من ينكر هذا بقلبه لما غلبوا." [1] "
وهذا الكلام عن حكام الأندلس في القرن الخامس، فتجد المقطع وكأنه على حكّام وعلماء زماننا.
فالشاهد في الموضوع أن سيدنا عمر بن الخطاب كان ذا عقلية إدارية وتنظيمية فذّة جدًا، إضافة إلى ما كان عليه -رضي الله عنه- من المناقب، فنظّم الدولة وبدأ الفتوح، طبعًا فتوح الشام والروم بدأت قبله ولكنه كان أول من تجرّأ وأنزل المسلمين لقتال فارس، وكان العرب يتهيّبونهم جدًّا [2] .
كانت فارس تتدخل في أطراف الجزيرة، ولم تقم بينهم إلا معركة واحدة بين العرب وفارس وهي معركة (ذي قار) قبل البعثة بفترة قصيرة جدًّا، والذي انتصر في معركة (ذي قار) هم العرب، جمعوا بعضهم القبائل المتحاربة ووحَّدوا أنفسهم، فانتصروا في هذه المعركة وكانت فاصلة في التاريخ بين العرب والفرس، حتى قال فيها الشاعر من شعراء الجاهلية:
لَوْ أنّ كُلّ مَعَدٍّ كانَ شارَكَنَا ... في يومِ ذي قارَ ما أخطاهمُ الشّرفُ
أي لو أنّ كلّ (معدّ) يعني كل عربي من أبناء معدّ شاركنا في هذه المعركة لكان ناله شيء من الشرف.
فالشاهد أنّهم كانوا يتهيَّبون فارس، فانتدبهم لقتال فارس فلم يقم أحد، ثم انتدبهم فلم يقام أحد، ثم قام المثنى بن حارثة الشيباني -رضي الله عنه- فولّاه إمارة فتوح فارس جزاءً لقيامه، وقُتل المثنى وخلفه سعد بن أبي وقّاص.
فمنذ زمن عمر أصبحت المعركة مع النظام الدولي هي: الإسلام ضدّ الفرس من طرف العراق، والإسلام ضدّ الروم في بلاد الشام. ثم تجرّأوا مرة أخرى وعبروا منطقة صحراء
(1) (رسائل ابن حزم) ت إحسان عباس 2/ 173. وقد ذكرنا نص كلام ابن حزم الذي نقله الشيخ بالمعنى.
(2) الصواب أن فتح العراق وغزو فارس بدأ في خلافة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-.