الزمان له أجر خمسين واحدًا ممن يعمل في هذا الزمان؟" (قَالَ: أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ) "؛ يعني من الصحابة.
وفي روايات أخرى عن الحديث تتحدث عن صفات المؤمنين في آخر الزمان، قال: (الذين آمنوا بي ولم يروني) ، قال: (إيمان أحدهم بخمسين، وشهيد أحدهم بخمسين) وفسَّر لما استغرب الصحابة -رضي الله عنهم- قال: (إنكم تجدون على الحق أعوانًا ولا يجدون على الحق أعوانًا) ؛ السبب أن واحدًا من الصحابة عنده من القبيلة ومن السَّند ومن أهل الغيرة ومن أهل النخوة ومن أهل الإيمان مما يجد منهم -رغم الضعف والشدائد- على الحق أعوانًا. في حين يأتي زمان كالذي نشهده الآن لا يجد الإنسان على الحق أعوانًا، فالأجر على قدر المشقَّة فجُعل أجره بخمسين وإيمانه بخمسين، وشهادته بخمسين من عمل الصحابة. هذا في الأجر وليس في فضل الصحبة التي لا يبلغها أحد إلا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
في [صفحة 75 أيضًا] ، يشرح ابن القيم يقول:
"وَهَذَا الْأَجْرُ الْعَظِيمُ إِنَّمَا هُوَ لِغُرْبَتِهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ بَيْنَ ظُلُمَاتِ أَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ."
فَإِذَا أَرَادَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي قَدْ رَزَقَهُ اللَّهُ بَصِيرَةً فِي دِينِهِ، وَفِقْهًا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَفَهْمًا فِي كِتَابِهِ، وَأَرَاهُ مَا النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ وَتَنَكُّبِهِمْ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابُهُ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَ هَذَا الصِّرَاطَ فَلْيُوَطِّنْ نَفْسَهُ عَلَى قَدْحِ الْجُهَّالِ"."
لماذا جُعل أجره كبيرًا؟ لأن جهده كبير، فهو يجهّزه ويهيّئه لأن يوطّن نفسه على قدح الجُهَّال، أي على ذمهم؛ لأنك على الحق يذمونك، يقولون لك: أنت أعوج، والناس هم العوج! لكن إذا كان كل الطريق أعوجًا فأي خط مستقيم سيبدو أعوجًا نسبة لانحراف كل الخطوط حوله!
يقول:"فَلْيُوَطِّنْ نَفْسَهُ عَلَى قَدْحِ الْجُهَّالِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ فِيهِ، وَطَعْنِهِمْ عَلَيْهِ، وَإِزْرَائِهِمْ بِهِ وَتَنْفِيرِ النَّاسِ عَنْهُ وَتَحْذِيرِهِمْ مِنْهُ، كَمَا كَانَ سَلَفُهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ يَفْعَلُونَ مَعَ مَتْبُوعِهِ وَإِمَامِهِ -صلى الله عليه وسلم-"؛ كما فُعل هذا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ونُفِّر الناس عنه فكل تابع للرسول -صلى الله عليه وسلم- سيُقدح به ويُنفَّر عنه كما حصل مع إمامه -صلى الله عليه وسلم-.
وبهذا المعنى للإمام ابن تيمية يشرح قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [1] ، قال: أن من ابتلاء الأنبياء -
(1) سورة الأنعام، الآية 112.