ثم:"وأهل العلم في المؤمنين غرباء"؛ غربة بين الناس ثم غربة بين أهل الإسلام ثم غربة بين أهل الإيمان نتيجة العلم؛ لأن الإنسان حين يؤتيه الله -سبحانه وتعالى- لونًا من ألوان العلم الشرعي، أو العلم في واقع الناس، أو العلم في أي باب، فلما يكون في قوم هم جاهلون بهذا العلم يصبح هو الغريب، هو الذي لا يفهم عليه الناس.
فهذه مراتب الغربة التي ذكرها هنا. يقول:"فَهَؤُلَاءِ هُمُ الْغُرَبَاءُ الْمَمْدُوحُونَ الْمَغْبُوطُونَ، وَلِقِلَّتِهِمْ فِي النَّاسِ جِدًّا سُمُّوا غُرَبَاءَ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَأَهْلُ الْإِسْلَامِ فِي النَّاسِ غُرَبَاءُ، وَالْمُؤْمِنُونَ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ غُرَبَاءُ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُؤْمِنِينَ غُرَبَاءُ.".
ثم ينتقل في [صفحة 72] في حديث طويل يبين صفات هذه الغربة، فيقول:
"وَلِهَذَا جُعِلَ لِلْمُسْلِمِ الصَّادِقِ فِي هَذَا الْوَقْتِ إِذَا تَمَسَّكَ بِدِينِهِ: أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [1] ، فَقَالَ: (بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) "؛ فهذا الأصل، عليك أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ولا تترك الناس وتقول: عليَّ بنفسي، وإذا هلك الناس فليهلكوا!.
" (حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحَّا مُطَاعًا) "؛ أي حتى إذا بلغ من فساد الناس أن رأيت البخل، والناس أمسكت وأطاعت أنفسها بالبخل، (وَهَوًى مُتَّبَعًا) على غير هدي الكتاب والسنة، (وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً) ؛ أي أن الناس تُقدِّم مصالح الدنيا على قوانين الدين. (وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكِ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ) ؛ أي يصبح الفساد من الحجم الذي لا تستطيع فيه حيلة فلك رخصة إذا بلغ الحال هكذا فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام.
فهذا الحديث مشهور في بلادنا، أشهره الصوفية وأشهره القاعدون وكل من يريد أن يعتزل العمل والجهاد، أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكِ) ، ولكن تمام الحديث ليس كما فهمه الناس وقطعوه من نصفه، ففيه حضٌّ على العمل، وفيه حض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال:" (فَإِنَّ مِنْ وَرَاءِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ؛ الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ) "؛ يعني إذا بلغ الفساد هكذا فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام، ولكن إذا اخترت العمل رغم هذا الفساد وما أخذت بهذه الرخصة، فعند ذلك لك أجر خمسين! فسأل:" (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟) "؛ أي الواحد الذي في هذا
(1) سورة المائدة، الآية: 105.