فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 537

وَاَلَّذِينَ قَالُوا: إنَّ الْمُفْتِيَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ، أَرَادُوا بَيَانَ أَنَّ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ لَا يَكُونُ مُفْتِيًا حَقِيقَةً، وَأَنَّ الْمُفْتِيَ لَا يَكُونُ إلَّا مُجْتَهِدًا، وَلَمْ يُرِيدُوا التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الِاجْتِهَادِ وَالْإِفْتَاءِ فِي الْمَفْهُومِ.

(الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ):

4 -الْفَتْوَى فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، إذْ لَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يُبَيِّنُ لَهُمْ أَحْكَامَ دِينِهِمْ فِيمَا يَقَعُ لَهُمْ، وَلَا يُحْسِنُ ذَلِكَ كُلُّ أَحَدٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَقُومَ بِهِ مَنْ لَدَيْهِ الْقُدْرَةُ. وَلَمْ تَكُنْ فَرْضَ عَيْنٍ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي تَحْصِيلَ عُلُومٍ جَمَّةٍ، فَلَوْ كُلِّفَهَا كُلُّ وَاحِدٍ لَأَفْضَى إلَى تَعْطِيلِ أَعْمَالِ النَّاسِ وَمَصَالِحِهِمْ، لِانْصِرَافِهِمْ إلَى تَحْصِيلِ عُلُومٍ بِخُصُوصِهَا، وَانْصِرَافِهِمْ عَنْ غَيْرِهَا مِنْ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ} . قَالَ الْمَحَلِّيُّ: وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الْقِيَامُ بِإِقَامَةِ الْحِجَجِ الْعِلْمِيَّةِ، وَحَلُّ الْمُشْكِلَاتِ فِي الدِّينِ، وَدَفْعُ الشُّبَهِ، وَالْقِيَامُ بِعُلُومِ الشَّرْعِ كَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِمَا. وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْبِلَادِ مَفْتُونُ لِيَعْرِفَهُمْ النَّاسُ، فَيَتَوَجَّهُوا إلَيْهِمْ بِسُؤَالِهِمْ يَسْتَفْتِيهِمْ النَّاسُ، وَقَدَّرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ مَسَافَةِ قَصْرٍ وَاحِدٌ.

(تَعَيُّنُ الْفَتْوَى) :

5 -مَنْ سُئِلَ عَنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنْ الْمُتَأَهِّلِينَ لِلْفَتْوَى يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْجَوَابُ، بِشُرُوطٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يُوجَدَ فِي النَّاحِيَةِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْإِجَابَةِ، فَإِنْ وُجِدَ عَالِمٌ آخَرُ يُمْكِنُهُ الْإِفْتَاءُ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى الْأَوَّلِ، بَلْ لَهُ أَنْ يُحِيلَ عَلَى الثَّانِي، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَدْرَكْت عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنْ الْمَسْأَلَةِ، فَيَرُدُّهَا هَذَا إلَى هَذَا، وَهَذَا إلَى هَذَا، حَتَّى تَرْجِعَ إلَى الْأَوَّلِ: وَقِيلَ: إذَا لَمْ يَحْضُرْ الِاسْتِفْتَاءَ غَيْرُهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَسْئُولُ عَالِمًا بِالْحُكْمِ بِالْفِعْلِ، أَوْ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْفِعْلِ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْ تَكْلِيفُهُ بِالْجَوَابِ، لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي تَحْصِيلِهِ. الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْ وُجُوبِ الْجَوَابِ مَانِعٌ، كَأَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ عَنْ أَمْرٍ غَيْرِ وَاقِعٍ، أَوْ عَنْ أَمْرٍ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلسَّائِلِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.

(مَنْزِلَةُ الْفَتْوَى) :

6 -تَتَبَيَّنُ مَنْزِلَةُ الْفَتْوَى فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ، مِنْهَا: أ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَفْتَى عِبَادَهُ، وَقَالَ {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} ، وَقَالَ: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} . ب - أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَوَلَّى هَذَا الْمَنْصِبَ فِي حَيَاتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَى رِسَالَتِهِ، وَقَدْ كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: {وَأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} . فَالْمُفْتِي خَلِيفَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي أَدَاءِ وَظِيفَةِ الْبَيَانِ، وَقَدْ تَوَلَّى هَذِهِ الْخِلَافَةَ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابُهُ الْكِرَامُ، ثُمَّ أَهْلُ الْعِلْمِ بَعْدَهُمْ. ج - أَنَّ مَوْضُوعَ الْفَتْوَى هُوَ بَيَانُ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَطْبِيقُهَا عَلَى أَفْعَالِ النَّاسِ، فَهِيَ قَوْلٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَنَّهُ يَقُولُ لِلْمُسْتَفْتِي: حُقَّ عَلَيْك أَنْ تَفْعَلَ، أَوْ حَرَامٌ عَلَيْك أَنْ تَفْعَلَ، وَلِذَا شَبَّهَ الْقَرَافِيُّ الْمُفْتِيَ بِالتُّرْجُمَانِ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى، وَجَعَلَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ بِمَنْزِلَةِ الْوَزِيرِ الْمُوَقِّعِ عَنْ الْمَلِكِ قَالَ: إذَا كَانَ مَنْصِبُ التَّوْقِيعِ عَنْ الْمُلُوكِ بِالْمَحَلِّ الَّذِي لَا يُنْكَرُ فَضْلُهُ، وَلَا يُجْهَلُ قَدْرُهُ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ السَّنِيَّاتِ، فَكَيْفَ بِمَنْصِبِ التَّوَقُّعِ عَنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ، نَقَلَ النَّوَوِيُّ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت