فَتْوَى التَّعْرِيفُ:
1 -الْفَتْوَى لُغَةً:
اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الْإِفْتَاءِ، وَالْجَمْعُ: الْفَتَاوَى وَالْفَتَاوِي، يُقَالُ: أَفْتَيْته فَتْوَى وَفُتْيَا إذَا أَجَبْته عَنْ مَسْأَلَتِهِ، وَالْفُتْيَا تَبْيِينُ الْمُشْكِلِ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَتَفَاتَوْا إلَى فُلَانٍ: تَحَاكَمُوا إلَيْهِ وَارْتَفَعُوا إلَيْهِ فِي الْفُتْيَا، وَالتَّفَاتِي: التَّخَاصُمُ، وَيُقَالُ: أَفْتَيْت فُلَانًا رُؤْيَا رَآهَا، إذَا عَبَّرْتهَا لَهُ وَمِنْهُ قوله تعالى حَاكِيًا: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} . وَالِاسْتِفْتَاءُ لُغَةً: طَلَبُ الْجَوَابِ عَنْ الْأَمْرِ الْمُشْكِلِ، وَمِنْهُ قوله تعالى: {وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى مُجَرَّدِ سُؤَالٍ، وَمِنْهُ قوله تعالى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا} ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَيْ اسْأَلْهُمْ. وَالْفَتْوَى فِي الِاصْطِلَاحِ: تَبْيِينُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَنْ دَلِيلٍ لِمَنْ سَأَلَ عَنْهُ وَهَذَا يَشْمَلُ السُّؤَالَ فِي الْوَقَائِعِ وَغَيْرِهَا. وَالْمُفْتِي لُغَةً: اسْمُ فَاعِلِ أَفْتَى، فَمَنْ أَفْتَى مَرَّةً فَهُوَ مُفْتٍ، وَلَكِنَّهُ يُحْمَلُ فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ بِمَعْنًى أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: هَذَا الِاسْمُ مَوْضُوعٌ لِمَنْ قَامَ لِلنَّاسِ بِأَمْرِ دِينِهِمْ، وَعَلِمَ جُمَلَ عُمُومِ الْقُرْآنِ وَخُصُوصِهِ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَكَذَلِكَ السُّنَنَ وَالِاسْتِنْبَاطَ، وَلَمْ يُوضَعْ لِمَنْ عَلِمَ مَسْأَلَةً وَأَدْرَكَ حَقِيقَتَهَا، فَمَنْ بَلَغَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ سَمَّوْهُ بِهَذَا الِاسْمِ، وَمَنْ اسْتَحَقَّهُ أَفْتَى فِيمَا اُسْتُفْتِيَ فِيهِ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ: الْمُفْتِي مَنْ كَانَ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْفِعْلِ، وَهَذَا إنْ قُلْنَا بِعَدَمِ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ.
(الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ) :
أ - (الْقَضَاءُ) :
2 - (الْقَضَاءُ) : هُوَ فَصْلُ الْقَاضِي بَيْنَ الْخُصُومِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: الْحُكْمُ، وَالْحَاكِمُ: الْقَاضِي. وَالْقَضَاءُ شَبِيهٌ بِالْفَتْوَى إلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا فُرُوقًا: مِنْهَا: أَنَّ الْفَتْوَى إخْبَارٌ عَنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالْقَضَاءَ إنْشَاءٌ لِلْحُكْمِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْفَتْوَى لَا إلْزَامَ فِيهَا لِلْمُسْتَفْتِي أَوْ غَيْرِهِ، بَلْ لَهُ أَنْ يَاخُذَ بِهَا إنْ رَآهَا صَوَابًا وَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهَا وَيَاخُذَ بِفَتْوَى مُفْتٍ آخَرَ، أَمَّا الْحُكْمُ الْقَضَائِيُّ فَهُوَ مُلْزِمٌ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إذَا دَعَا الْآخَرَ إلَى فَتَاوَى الْفُقَهَاءِ لَمْ نَجْبُرْهُ، وَإِنْ دَعَاهُ إلَى قَاضٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ، وَأُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ الْقَاضِيَ مَنْصُوبٌ لِقَطْعِ الْخُصُومَاتِ وَإِنْهَائِهَا. وَمِنْهَا: مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَنْ أَيْمَانِ الْبَزَّازِيَّةِ: أَنَّ الْمُفْتِيَ يُفْتِي بِالدِّيَانَةِ - أَيْ عَلَى بَاطِنِ الْأَمْرِ، وَيُدَيِّنُ الْمُسْتَفْتِيَ، وَالْقَاضِيَ يَقْضِي عَلَى الظَّاهِرِ، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: مِثَالُهُ إذَا قَالَ رَجُلٌ لِلْمُفْتِي: قُلْت لِزَوْجَتِي: أَنْتِ طَالِقٌ قَاصِدًا الْإِخْبَارَ كَاذِبًا فَإِنَّ الْمُفْتِيَ يُفْتِيهِ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ، أَمَّا الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْوُقُوعِ. وَمِنْهَا: مَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: إنَّ حُكْمَ الْقَاضِي جُزْئِيٌّ خَاصٌّ لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَلَهُ، وَفَتْوَى الْمُفْتِي شَرِيعَةٌ عَامَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَفْتِي وَغَيْرِهِ، فَالْقَاضِي يَقْضِي قَضَاءً مُعَيَّنًا عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وَالْمُفْتِي يُفْتِي حُكْمًا عَامًّا كُلِّيًّا: أَنَّ مَنْ فَعَلَ كَذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ كَذَا، وَمَنْ قَالَ كَذَا لَزِمَهُ كَذَا. وَمِنْهَا: أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا بِلَفْظٍ مَنْطُوقٍ، وَتَكُونُ الْفُتْيَا بِالْكِتَابَةِ وَالْفِعْلِ وَالْإِشَارَةِ.
ب - (الِاجْتِهَادُ) :
3 -الِاجْتِهَادُ: بَذْلُ الْفَقِيهِ وُسْعَهُ فِي تَحْصِيلِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الظَّنِّيِّ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِفْتَاءِ: أَنَّ الْإِفْتَاءَ: يَكُونُ فِيمَا عُلِمَ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا. أَمَّا الِاجْتِهَادُ فَلَا يَكُونُ فِي الْقَطْعِيِّ وَأَنَّ الِاجْتِهَادَ يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ تَحْصِيلِ الْفَقِيهِ الْحُكْمَ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يَتِمُّ الْإِفْتَاءُ إلَّا بِتَبْلِيغِ الْحُكْمِ لِلسَّائِلِ