أما قبل هذا فهم قد برؤوا من الإسلام والإسلام بريىء منهم ومن إتفاقياتهم، فهم حين أبرموها وقبل ذلك وبعده لم يعرفوا الإسلام ولا دانوا به ولا رفعوا بحدوده رأسًا ... وبالتالى فلا ينبغى أن يزج بالإسلام في مثل هذه المستنقعات الآسنة.
وما أجمل ما قاله سيد قطب رحمه الله تعالى في"الظلال" [13/ 5] : (إن دين الله يأبى أن يكون مطيّة ذلوله، ومجرد خام مطيع لتلبية رغبات هذا المجتمع الجاهلي الآبق منه المتنكر له، الشارد عنه، الذي يسخر منه الحين بعد الحين باستفتائه في مشكلاته وحاجاته، وهو غير خاضع لشريعته وسلطانه) أهـ
ويقول في كتاب"الإسلام ومشكلات الحضارة": (أي هزء واستخفاف من أن تجيء لقاض تطلب حكمه وأنت تخرج له لسانك وتعلمه ابتداء أنك لا تعترف به قاضيًا ولا تعترف له بسلطان، وأنك لا تتقيد بحكمه إلا إذا وافق هواك، لذا فإنني أستنكر استفتاء الإسلام اليوم في أي مشكلة من مشكلات هذه المجتمعات احترامًا للإسلام وجديته) أهـ
ولذلك فنحن لا نكلف أنفسنا عناء رد شبهاتهم المتهافتة، أو بيان إلحادهم الواضح، وتلاعبهم المكشوف، في آيات الله كقوله تعالى: {ادخلوا في السلم كافة} [1] ، أو قوله سبحانه: {إن جنحوا للسلم فاجنح لها} ، لأن الإنشغال في التأويل والتبين لذلك، فرع عن تصحيح الاستدلال بها، ونحن نبطل أصلًا استدلالهم بها، إذ هم ليسوا أهلها وليست من دينهم، فالقوم لا يرفعون لشرائع الإسلام رأسًا، والنصوص الحاكمة المحرمة المحللة في التشريع عندهم هي نصوص الدستور والقانون وحدها، أما آيات الكتاب العظيم وأحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام فلا حكم لها في دينهم الذى هو الديمقراطية؛ حكم الشعب للشعب، وليس حكم الله للشعب، ولا تحريم أو تحليل لهما - اي الكتاب والسنة - في شرعهم الذى هو الدستور والقانون.
ثم حقيقة هذه الاتفاقيات؛ أنها ليست معاهدات سلم ومهادنة بين دول متكافئة، بل هي اتفاقيات أخوة وتبعية وعمالة من جنس ما ذكره الله في الآيات المتقدمة عن أهل النفاق الذين آخوا اليهود وعقدوا معهم اتفاقية نصرة.
(1) المقصود بالسلم في هذه الآية الإسلام، والمراد بالدخول فيه كافة: هو التزام شرائعه كلها وتطبيقها كاملة.