لذلك فإن الإنشغال بالرد على مثل تلك الشبهات في مثل حالهم هذا، فيه لبس للحق مع الباطل وتمييع لهذه القضية، وتشتيت الفكر وصرف نظر الخلق عن جريمة القوم النكراء؛ إلى أمر هو في الحقيقة متفرع منها ناتج في الأصل عنها ... وهو كمن يعالج جرحًا صغيرًا في بعض الأصابع ويشغل الناس والأطباء به، ويهمل سرطانًا خطيرًا ينخر في جسده، ويصرف انتباهم عنه.
ولذلك فنحن لا نتكلم أو نخوض بحرمة مثل هذه الإتفاقيات على هؤلاء القوم أو نشغل أنفسنا في معارضتها، ونجهد أنفسنا في إنكارها أو شجبها إلا حين تحكم هذه الحكومات بشرع الله، وتسلم لدين الله، وتجتنب عبادة غير الله، وتبرأ من كل دين وشرع غير شرعه سبحانه .. وعندها فقط؛ نستطيع أن نوجه الخطاب لهم بحرام أو حلال ويجوز أو لا يجوز [1] .
وذلك لبراءة ديننا الذى يجرّد التحليل والتحريم والتشريع لله وحده؛ منهم وبرائتهم منه، ولأن جريمة شركهم بالله في أبواب التشريع وغيرها، وكفرهم بالله بشتى أنواعه والمتقدم بعضها، أعظم بكثير من صلحهم مع اليهود.
وكلفتة أخيره أقول:
لو لم يكن في أخوّتهم هذه لليهود وصلحهم معهم من المصالح الشرعية المعتبرة إلا حقن دماء عوام المسلمين، الذين لا يجدون من يبصرهم بسبيل الهدى ويميزها عن سبيل المجرمين، وصيانة لها أن تهدر وتُقبر تحت راية الطاغوت في مسرحيات وحروب تآمرية مع اليهود أو غيرهم، لكفى بذلك مصلحة عظيمة لا يفرط بها أولو الألباب .. وهذا من جنس ترك شيخ الاسلام الإنكار على التتار شرب الخمر في زمنه، لأن بقاءهم لاهين في سكرتهم يعمهون، خير من أنتباههم واشتغالهم بالتالي بقتل المسلمين، وهتك أعراضهم، ونهب أموالهم.
والله تعالى أعلم
(1) وهذا القول لا يعني أنهم غير مآخذين على ذلك في الآخرة، وإنما المقصود هنا إنكار وإظهار أعظم المفسدتين، أو قل أظم المفاسد عند القوم، وإلا فالموضوع يقوم على أصل معروف عند العلماء وهو (هل الكافر مخاطب بفروع الشريعة) ولهم في ذلك أقوال، أحدها: أنهم غير مخاطبين، والقول الثاني: أنهم مخاطبون في النواهي دون الأوامر، والثالث: أنهم مخاطبون في الجميع، وتفاصل ذلك معروفة في مظانها وليس هذا محلها.