بسم الله الرحمن الرحيم
لقد شاع واستفاض بين الناس - عامتهم وخاصتهم - خبر غزو اليهود الصهيونيين للبلاد المقدسة فلسطين، التي تضم أولى القبلتين وثالث الحرمين وغير ذلك من المقدسات الأخرى، وعزمهم المصمم على تحويلها إلى مملكة يهودية، والاستيلاء على أراضيها ومقدساتها وإخراج أهلها العرب منها.
واعظم وسيلة يتذرع بها اليهود لبلوغ مآربهم؛ شراء الأرض من العرب وإخراجها من حيازتهم، وجعلها ملكًا للأمة اليهودية والاستيلاء على اقتصادياتها، بقصد إفقار أهلها المؤدي إلى نزوحهم عنها.
والمرجو بيان الحكم الشرعي في كل شخص يبيع أرضه لليهود، أو يعلم سمسارًا لترويج ذلك البيع، أو يعينهم على الوصول إلى مآربهم من امتلاك البلاد وجعلها يهودية، بأي نوع من أنواع الإعانة والتعاون.
فهل يرتد بذلك عن دينه، ويعامل معاملة المرتدين، من الحكم بطلاق زوجته، واحتقاره ونبذه، وعدم الصلاتة عليه، وعدم دفنه في مقابر المسلمين؟ مع العلم بان بيع الأرض لليهود، ومساعدتهم تجاريًا واقتصاديًا وشراء بضائعهم ومنتوجاتهم، كل ذلك قد اصبح معلومًا لدى أهل فلسطين خاصة، والمسلمين عامة؛ بأنه أهم الوسائل المؤدية إلى وصول اليهود لمطامعهم المذكورة.
الجواب:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد ...
فتفيد"اللجنة"بأن من أعظم الجرائم إثمًا واشد المنكرات مقتًا عند الله؛ أن يتخذ المسلم له أولياء من أعداء دينه المناوئين له المعتدين على أهله، أو يمكن لهم بفعله من إيذاء المسلمين في دينهم، والاحتيال على سلب أموالهم، وتجريدهم من أرضهم وديارهم، واتخاذ ذلك وسيلة إلى أضعاف أمرهم، وكسر شوكتهم وإزالة دولتهم وإقامة دولة غير إسلامية تتسلط عليهم بالحيلة أو العهد، وتنشر سلطانها عليهم بالأمر والنهي.
وقد شدد الله النكير على من يتولون أعداء الدين أو يتخذون لهم بطانة من غير المؤمنين، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل * إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون * لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم} ، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} .
لم يكتف القرآن بالنهي عن موالاة المعتدين من غير المؤمنين، وتحريم موادتهم، بل جعل ذلك منافيًا للإيمان ونفي صاحبه من سجل آهل الإسلام، اقرأ قوله تعالى: {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} ، وقوله عزّ وجلّ: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} .
ولا شك أن من يعملون على إيذاء المسلمين في دينهم، ويتخذون مختلف الوسائل للتسلط عليهم بالقوة أو الحيلة بإغراء الضعفاء بالمال وغيره من عرض الدنيا، وتجريدهم من أرضهم ودورهم توصلا إلى إذلالهم وإخضاعهم لسلطان غير سلطان دينهم هم من شر من يحادون الله ورسوله.
كما لا شك أن بذل المعونة لهؤلاء، وتيسير الوسائل التي تساعدهم على تحقيق غايتهم التي فيها إذلال المسلمين، وتبديد شملهم ومحو دولتهم، اعظم إثمًا واكبر ضررًا من مجرد موالاتهم وموادتهم التي حكم الله بمنافاتها لخالص الإيمان.
فالرجل الذي يحسب نفسه من جماعة المسلمين، إذا أعان أعداءهم في شيء من هذه الآثام المنكرة، وساعد عليها - مباشرة أو بواسطة - لا يعد من آهل الإيمان، ولا ينتظم في سلكهم، بل هو - بصنيعه - حرب عليهم، منخلع من دينهم، وهو - يفعله الآثم - اشد عداوة من المتظاهرين بالعداوة للإسلام والمسلمين.
فعلى المسلمين أن يتبينوا أمرهم، ويأخذوا حذرهم، ويثوبوا إلى رشدهم، فيصلحوا من شأنهم، ويتبعوا هدى القرآن في حفظ كيانه، وتقوية دولتهم، وان تكون شئون دينهم وأوطانهم احب إليهم من كل شيء، حتى لا يدخلوا في آهل الوعيد الشديد الذي جاء في قوله تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخواهكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها احب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} .
عليهم أن يقتفوا في ذلك سيرة نبيهم، ويسيروا على ما رسم لهم من خطط صالحة، فيوالوا المؤمنين، ويبروا المسالمين من غير المسلمين، ويعادوا من عادى الله أو مكر بأهل دينه وسعى في إيذائهم والتضييق عليهم في أوطانهم، وعمل على تفريق وحدتهم وتمزيق جماعتهم.
وعلى المسلمين أن يعادوا هؤلاء وينبذوهم ويقاطعوهم في متاجرهم ومصانعهم ومساكنهم ومجتمعاتهم، وان يصنعوا هذا الصنيع مع كل من يوالي هؤلاء الأعداء أو يعينهم على مآربهم ويمهد لهم السبيل التي يصلون منها إلى أغراضهم.
وقد قاطع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون نفرًا من الصحابة تخلفوا عن غزوة تبوك ونبذوهم، فكانوا لا يخالطونهم في اجتماع ولا يشاركونهم في شأن، تجنبوا مؤاكلتهم، ومجالسهم، والسير معهم، والسلام عليهم.
إن هؤلاء المتخلفين لم يعينوا على المسلين عدوا، ولم يمهدوا لأعداء الدين طريق الكيد والمكر لأهل الدين، ولم يبيعوهم ما يتقوون به عليهم ويشتد به سلطانهم، ولم يأتوا بأي عمل إيجابي يعد معانة للأعداء، ثمّ انهم كانوا قلة ضئيلة لم يستوجب تخلفهم خذلان جيش المسلمين أو انتقاض أمره، وكل ما كان منهم أن تخلفوا عن الغزو مع قدرتهم عليه، ومع ذلك نبذهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقاطعوهم مقاطعة مكثوا خمسين يومًا يتحرقون بآلامها وتتلظى قلوبهم بالندم والحسرة من اجلها، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلاّ إليه، ثمّ تاب الله عليهم وعفا عنهم.
هذا شأن الله فيمن لم يكن منه إلاّ مجرد التخلف عن جهاد لم يغر الأعداء فيه بالفعل على بلاد المسلمين، فما بالنا بمن يتصدى لمعانة الأعداء، ويمكنهم من تثبيت أقدامهم في بلاد الإسلام والمسلمين؟!
لا يشك مسلم في أن من عاون هؤلاء الأعداء بأي ضرب من ضروب المعاونة ببيع شيء من أرضه، أو التوسط في هذا البيع، أو بمعاملتهم تجاريًا واقتصاديًا، أو بخروجه عن جماعة المدافعين عن بلادهم، يكون أعظم جرمًا وأكبر إثمًا ممن ترك الجهاد وهو قادر عليه.
ولا يشك مسلم أيضًا أن من يفعل شيئًا من ذلك؛ فليس من الله ولا رسوله ولا المسلمين في شيء، والإسلام والمسلمون براء منه، وهو بفعله قد دل على أن قلبه لم يمسه من الإيمان، ولا محبة الأوطان.
والذي يستبيح شيئًا من هذا، بعد أن استبان له حكم الله فيه؛ يكون مرتدا عن دين الإسلام، فيفرق بينه وبين زوجه، ويحرم عليها الاتصال به، ولا يصلي عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين.
وعلى المسلمين أن يقاطعوه، فلا يسلموا عليه، ولا يعودوه إذا مرض ولا يشيعوا جنازته إذا مات، حتى يفيء إلى أمر الله ويتوب توبة يظهر أثرها في نفسه وأحواله وأقواله وأفعاله.
هذا، فإذا كان من بين المسلمين أو إخوانهم المواطنين لهم من هو يحتاج إلى بيع شيء من أرضه؛ وجب على جماعة المسلمين أن يدفعوا حاجته بشراء ذلك منه، أو بمساعدته بما يغنيه عن البيع، كما يجب عليهم أن يبذلوا جهودهم، ويتعاونوا بكل قواهم، على دفع خطر هؤلاء الأعداء الظالمين.
والله اعلم
الشيخ عبد المجيد سليم
رئيس لجنة الفتوى بالأزهر
14/شعبان/1366 هـ