فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 109

ووجهُ الاستِدلالِ بِهما: حُرمَةُ تعاطِي الأسبَابِ المُفضِيَةِ إلى قتلِ النَّفسِ وإتلافِهِا.

ونُوقشَ: بأنَّهُ استِدلالٌ في غَيرِ مَوضِعِهِ، إذْ كيفَ يُقاسُ تعرِيضُ النَّفس للقَتْلِ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللهِ عَلَى قَتْلِهَا جَزَعًَا وسَخَطًا وقُنُوطًا مِن رحمةِ الله، فلابُدَّ مِن مُرَاعَاةِ المَقَاصِدِ في الأحكَامِ، والتَّفْرِقَةِ بينَ ما نُهِيَ عَنهُ وبينَ ما نُدِبَ إليه [1] .

قالَ ابنُ تيميةَ - رحمه الله:"فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قَصْدِ الْإِنْسَانِ قَتْلَ نَفْسِهِ أَوْ تَسَبُّبِهِ فِي ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ بَيْعِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (وَقَالَ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ (" [2] .

والنبيُّ صلى الله عليه وسلم حَكَمَ عَلَى مَن ارتدَّ عليه سَيفُهُ فقَتَلَهُ بالشِّهَادَةِ، مَعَ أنَّهُ في حَقِيقَةِ الأمْرِ قَاتِلٌ لنَفْسِهِ، فَدَلَّ ذَلكَ عَلَى أنَّ الأعمَالَ - كَمَا هوَ مَعرُوفٌ - تَتَفَاوَتُ وتَختَلِفُ أحكَامُهَا باختِلافِ نيَّاتِ أصحَابِهِا.

فالمُجَاهِدُ عِندَمَا يُقدِمُ عَلَى العَمَلِيَّةِ الاستِشهَادِيَّةِ يَهدِفُ مِن ورَائهِا النِّكَايَةَ في أعدَاءِ الإسلامِ، وإثخَانَ الجِرَاحِ فيهم، وتَكبِيدِهُم الخَسَائرَ البَاهِظَةَ، وإِدخَالَ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِم، وتَجرِئةَ المسلمينَ عليهم، ونحوَ ذَلِكَ مِن المَقَاصِدِ الحَسَنَةَ، فلا يَتَنَاوَلُهُ عُمُومُ النَّهي الوَارِدِ في حُرمَةِ قَتْلِ النَّفْسِ لاختِلافِ المَقَاصِدِ والنِّيَّاتِ، ولأنَّ مَقصِدَهُ أُخرَوِيٌّ مَعَ ما يُحقِّقُهُ مِن مَصلَحَةٍ شَرعِيَّةٍ وهوَ مَقصِدٌ ومقَامٌ شَرِيفٌ امتَدَحَ اللهُ بِهِ المؤمنينَ كَماَ في قولِهِ تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ .. [3] .

2 -أنَّها تَتَرتَّبُ عَلَى هذِهِ الأعمَالِ مَفَاسِدُ كُبرى مِن تَعنُّتِ الكُفَّارِ وفَتكِهِم بالمسلِمِينَ وغيرِ ذَلِكَ، كَما أنَّ وجودَ المصلَحةِ الرَّاجِحَةِ للمسلِمين غَيرُ مُتحقِّقَةٌ، فلا تُضعِفُ هذه العَمَلِيَّاتُ الكُفَّارَ، ولا تُنكِي فيهم [4] .

وأُجِيبَ: بأنَّ المفاسِدَ المُتَرتِّبَةِ عَلَى هذه العَمَلِيّاتِ قدْ لا توجدُ أصْلًا، وإنْ وُجِدَتْ فإنَّها مَغمُورَةٌ بالنِّسبَةِ إلى مَصَالحِهَا الكَثِيرَةِ، ولا يمنَعُ مِن القِيامِ بهذه العَمَلِيَّاتِ مَا يَراهُ النَّاظِرُ بعَينٍ وَاحِدَةٍ، مِن هَمَجِيَّةِ الرَّدِّ، وعَنجَهِيَّةِ العَدوِّ، فإنَّ هَذِه سُنَّةُ اللهِ في

(1) قال أحمد عبد الكريم نجيب - حفظه الله:"و أما من قاس العمليّة الاستشهاديّة على الانتحار، و ألحقها به في الحكم، بدعوى أنّ من يفجر نفسه بين عناصر العدو يشبه المنتحر من"

جهة مباشرته قتل نفسه بيده أو بما يحمله من متفجّرات، لا بيد عدوّه أو سلاحه، فقد أبعَد النجعةَ و أفسدَ القياسَ، لأنّه لم يعِ مراد الأصوليين من تعريف للقياس بقولهم: هو إلحاق فَرعٍ

بأصلٍ في الحُكم لعلّةٍ جامعة بينهما، و بالتالي لم يُفرّق بين العلّة و الصفة، فظنّ أنّ كلا الأمرين انتحار، لأنّ فيه مباشرة للقتل، و غاب عليه أنّ العلّة التي دَفَعت المنتحر إلى إزهاق روحه،

هي التخلّص من الحياة اعتراضًا على القَدَر، و سخطًا على ما لحقه من قضاء الله و قَدَره، و هذا خلاف ما تقدّم بيانه من دوافع المجاهد لبذل روحه في سبيل الله.

وإذا سلّمنا جَدَلًا أو تنزُّلًا بأنّ العلّة في الانتحار هي مباشرة المنتحر قتل نفسه، فما ظنّكم بمن يعترض سبيل سيارة أو قطار كما هو الشائع عند المنتحرين في الغرب اليوم، ألا يُعدُّ منتحرًا ...

رغم أنّه لم يحمل أداة القتل بيده، و لم يباشر قتل نفسه بِسُمٍّ تَحَسَّاهُ، أو حَدِيدَةٍ تَوَجَّأَ بِهَا فِي بَطْنِهِ، و ما تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ؟". الدلائل الجلية (19 - 20) ."

(2) مجموع الفتاوى، ابن تيمية (25/ 281) .

(3) عون الحكيم الخبير (487) .

(4) الفتوحات الإلهية في تحريم العمليات الانتحارية (6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت