1 -أنَّ قِيَاسَ هَذِهِ المسألَةِ عَلِى مسألةِ (الانغِمَاسِ في العَدوِّ) لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الموتَ في هذِهِ المسألةِ مُحقَّقٌ، بِخِلافِ مسألةِ الانغِمَاسِ فإنَّ الموتَ فيها غَيرُ مُتَحَقِّقٍ، وإنما أُبِيحَتْ مَسألةُ الانغِمَاسِ لأنَّ القَتْلَ فيها ظَنِّيٌّ فَفِي بَعضِهَا يَنجُو المُنغَمِسُ ولا يُقْتَلُ كَمَا في قِصَّةِ البَرَاءِ بنِ مَالكٍ [1] ، بِخِلافِ مَن يَقومُ بقتْلِ نَفْسِهِ بقَصْدِ النِّكَايةِ في العَدُوِّ فَمَوتُهُ مُتَحقِّقٌ لا مَحَالَةَ، فلمْ تُبَحَ.
2 -أنَّ في مَسألةِ الانغِمَاسِ تَسبُّبًا في قَتْلِ النَّفْسِ بِيَدِ الكُفَّارِ، أمَّا في هذه المسألةِ فَفِيها مُبَاشَرَةٌ لقَتْلِ النَّفْسِ باليَدِ.
وأُجِيبَ عَنه مَن وَجهَينِ:
1 -أنَّ قَولَهَم"الموتَ فيها مُحقَّقٌ"غَيرُ مُطَّرِدٍ؛ لأنَّ احتِمَالَ نَجَاةِ القَائمِ بالعَمَلِيَّةِ الاستِشهَادِيَّةِ قَائمٌ، فكَم مِن مُجَاهِدٍ في سَبِيلِ اللهِ قامَ بِعَمَلِيَّةٍ استِشهَادِيَّةٍ فنجَّاهُ اللهُ فقَتَلَ ولمْ يُقْتَل؛ وقَدْ حَصَلَتْ عَشَرَاتُ الحَوَادِثِ مِن هذا النَّوعِ في أَفَغَانِستَانَ والشِّيشَانِ والبُوسنَةِ والهِرسِكِ وغَيرِهَا، فَخَرَجَ أصحَابُهَا سَالِمِينَ، بل إنَّ أحدَ الذين قامُوا بِتَفجِيرِ سَفَارَتي"أمريكا"في"نيروبي"و"دار السلام"نَفَّذَ العَمَلِيَّةَ بِنَجَاحٍ، ولم يمتْ ولم تتلفْ نَفْسُهُ، وخَرَجَ مِن المَبْنَى المَهدُومِ سَالمًا [2] ، فَهَذَا يَدلُّ عَلَى أنَّ المَوتَ فيها ليسَ مُحقَّقًَا، وإنْ كانَتْ العِبْرَةُ للأمْرِ الغَالِبِ لا النَّادِرِ.
ولَو تَنَزَّلنَا وقُلْنَا بأنَّ الموتَ فيها مُتَحَقِّقٌ، فإنَّهُ يكونُ كذلِكَ في مسألةِ (الانغِمَاسِ) غَالِبًَا، إذْ إنَّ بَعضَ عَمَلِيَّاتِ الانغِمَاسِ في العَدوِّ لا يَكَادُ يَنجُو مِنهَا صَاحِبُهَا، فيَكونُ مَوتُهُ فيها شِبْهَ مُتَحَقِّقٍ، فتُنزَّلُ غَلَبَةُ الظَّنِّ مَنزِلةَ اليَقِينِ.
2 -أمَّا التَّفْرِقةُ بينَ المسألتَيْنِ لِكونِ الأُولى بِفِعلِ الغَيْرِ وهذِهِ بِفِعلِهِ هوَ فلا عِبْرَةَ بِهِ، لأنَّ التَّسبُّبَ كالمُبَاشَرَةِ في قَولِ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ، فإنَّهم لا يُفرِّقونَ بينَ قتْلِ النَّفْسِ بالتَّسبُّبِ أو المُبَاشَرَةِ.
وعَليهِ فَتَكونُ جَمِيعُ أدِلَّةِ مَشروعِيَّةِ الانغِمَاسِ في العَدوِّ أدِلَّةً أيضًا لمَسألةِ قْتلِ النَّفْسِ بقَصْدِ النِّكَايةِ في العَدُوِّ.
10 -القِيَاسُ عَلَى مَسأَلَةِ التَّتَرُّسِ.
ووجه ذَلِكَ: أنَّهُ إنْ جَازَ للمجاهد قَتْلُ المسلِمِينَ المُتَترَّسِ بِهِم لِمَصلَحَةِ الدِّينِ والنِّكَايَةِ في الكَافِرينِ والدِّفَاعِ عِن المؤمنينَ، فمِنْ بَابِ أَوْلى أنْ يَجُوزَ لَهُ قَتْلُ نَفْسِهِ لذَلِكَ، إذْ ليسَ قَتلُهُ غيرَهُ أخَفَّ حُرمَةً مِن قَتْلِهِ نَفْسَهُ، بلْ إنَّ قَتْلَ غَيرِهِ أشدُّ حُرمَةً لأنَّ فيه ظُلمًَا وتَعَدِّيًَا عَلَى غَيرِهِ، بِخِلافِ قَتْلِهِ نَفْسَهُ فَضَرَرُهُ خَاصٌّ بِهِ [3] .
11 -القِيَاسُ عَلَى مَسأَلةِ التَّبييتِ والرَّمْي بالمَنجَنِيقِ.
(1) الفتوحات الإلهية في تحريم العمليات الانتحارية (5) .
(2) عون الحكيم الخبير (489) .
(3) انظر: فتوى الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي - رحمه الله - في حكم العمليات الاستشهادية http://www.al-oglaa.com ، وهل انتحرت حواء أم استشهدت؟ (32) .