وجهُ الاستِدلالِ: أنَّ اللهَ أنطَقَ هَذَا الطِّفلَ فأمَرَ أمَّهُ باقتِحَامِ النِّارِ، مَعَ كَونِهَا مَوضِعَ هَلاكٍ، وفي اقتِحَامِهَا مُبَاشَرَةٌ لِقَتْلِ نَفْسِهَا، إضَافةً إلى أنَّ مَصلَحَتَهُ مُقتَصِرةٌ عَليهَا، خِلافًَا للعَمَلِيَّاتِ الاستِشهَادِيَّةِ فمَصلَحَتُهَا مُتَعَدِّيَةٌ فتَكونُ مَشروعَةً مِن بَابِ الأَوْلى.
ونُوقِشَ: بأنَّه لا دَلِيلَ عَلَى مَشروعِيَّةِ ذَلِكَ، وإنما هوَ ذِكْرٌ لِوَاقِعَةٍ حَصَلتْ.
وأُجِيبَ: بأنَّ القِصَّةَ ذُكِرتْ في مَعرِضِ المَدحِ والإقرارِ، فدَلَّ ذَلِكَ عَلَى المشروعِيَّةِ.
8 -حديثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - في ذِكْرِ يأجوجَ ومأجوجَ، وفيهِ: (( فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ بَعَثَ اللَّهُ دَوَابَّ كَنَغَفِ الْجَرَادِ، فَتَاخُذُ بِأَعْنَاقِهِمْ فَيَمُوتُونَ، مَوْتَ الْجَرَادِ، يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَيُصْبِحُ الْمُسْلِمُونَ لاَ يَسْمَعُونَ لَهُمْ حِسًّا، فَيَقُولُونَ: مَنْ رَجُلٌ يَشْرِي نَفْسَهُ، وَيَنْظُرُ مَا فَعَلُوا؟ فَيَنْزِلُ مِنْهُمْ رَجُلٌ قَدْ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ يَقْتُلُوهُ ) ) [1] .
وجهُ الاستِدلالِ: في قَوْلِهِ:"يَشْرِي نَفْسَهُ"، وهوَ أنَّهُ يَجُوزُ للمُسلِمِ أنْ يَبِيعَ نَفْسَهُ فيُورِدَهَا مَورِدَ الموتِ المُحَقَّقِ في ظَاهِرِ الأمْر كَمَا في قَوْلِهِ:"وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ يَقْتُلُوهُ"، فداءً للإسلامِ وأهلِهِ، وإذَا جَازَ أنْ يَجعَلَ مَوتَهُ دَلِيلًا عَلَى استِمرَارِ الخَطَرِ ليَحفظَ المسلِمِينَ في مَأمَنِهِم، فَكيفَ لا يَجُوزُ أنْ يَجعَلَ مَوتَهُ سَبَبًَا في زَوَالِ الخَطَرِ عَن الإسلامِ وأهلِهِ؟! لاسِيَّمَا وقدْ تَبيَّنَ جَلِّيًَّا أنَّ العَمَلِيَّاتِ الاستِشهَادِيَّةِ هِيَ السَّبَبُ الرئيسِيُّ في حِفْظِ العَنَاصِرِ الجِهَادِيَّةِ التي يَستَهلِكُهَا الاشتباك المتواصل، مَعَ جَيشٍ يَفوقُ المجاهِدِينَ في العُدَّةِ والعَدَدِ بأضعَافٍ مُضَاعَفَةٍ [2] .
9 -القِيَاسُ عَلَى مَسألةِ (الاقتِحَامِ الغَالِبُ على الظَّنِّ الهَلاكُ فِيهِ - الانغِمَاسُ -) .
بِجَامِعِ أنَّ كُلًَّا منهما يُحقِّقُ النِّكَايَةَ في العَدوِّ، فوجُودُ هذِا الوصْفِ في مَسألةِ (قتْلِ النَّفْسِ بقَصْدِ النِّكَايةِ في العَدُوِّ) يَدلُّ عَلَى مشروعِيَّتِهِا [3] ، لأنَّهُ إنْ كانَ تَعرِيضُ النَّفْسِ للقَتْلِ بالتَّسَبُّبِ مَشرُوعًَا - كَمَا في مسألةِ (الانغِمَاسِ) -، فَمَا المانِعُ أنْ يُقَاسَ عَليهَ تَعرِيضُهَا للقَتْلِ بالمُبَاشَرَةِ مَا دَامَ أنَّهُمَا مُتَّفِقَانِ في الحُكْمِ تَحرِيمًَا؟!
ونُوقِشَ مِن وَجهَينِ:
(1) رواه أحمد (11754) ، وابن ماجه (4079) واللفظ له، وابن حبان (6830) والحاكم في مستدركه (8504) وقال:"حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه".
(2) الأقوال المهدية إلى العمليات الاستشهادية، تركي البنعلي http://www.h-alali.org .
(3) الأعمال الفدائية صورها وأحكامها الفقهية (194) .