فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 109

ونُوقِشَ هذا الاستِدلالُ مِن وَجهَينِ:

1 -أنَّ هَذَا الحَدِيثَ فيه حِكَايةٌ لِشَرعِ مَنْ قَبْلنَا، وشَرْعُ مَن قَبلنَا ليسَ شَرعًَا لَنَا.

2 -ثمَّ إنَّهُ ما جَازَ هذا إلَّا لأنَّه فيهِ مَصلَحَةً مُتَحَقِّقَةً للنَّاسِ، وهيَ ظُهُورُ الإيمَانِ فيهِم، أما إذَا لمْ تَحصُلْ بِهِ مَنفَعَةٌ للمُسلِمِينَ فهوَ انتِحَارٌ، والعَمَلَيَّاتُ الاستِشهَادِيَّةُ لا تَنتُجُ مِنهَا مَصلَحَةٌ رَاجِحَةٌ [1] .

وأُجِيبَ عنهُ مِنْ وَجهينِ:

1 -أنَّ شَرعَ مَنْ قَبلنَا هوَ شَرعٌ لَنَا عَلَى قَولِ الجُمُهورِ ما لمْ يَأتِ في شَرعِنَا مَا يَنسَخُهُ ويُبطِلُهُ، فكيفَ وقدْ جَاءَ في شَرعِنَا مَا يُؤيِّدُهُ ويُثنِي عليه، فإنَّهُ شَرعٌ لَناَ إجْمَاعًا [2] .

2 -أنَّه لا يُسلَّمُ لهم ذلكَ، بل في العَمَلِيَّاتِ الاستِشهَادِيَّةِ مَصلَحةٌ وغالِبًا ما تَكونُ رَاجِحَةً، ويَشهَدُ بِذَلِكَ قَادةُ المُجَاهِدينَ، ولا يَمْنعُ مِن أنْ يَرَى غَيرُهُم ما لمْ يَرَوه [3] .

7 -عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ بِي فِيهَا، أَتَتْ عَلَيَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلادِهَا، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا شَانُهَا؟ قَالَ: بَيْنَا هِيَ تُمَشِّطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ سَقَطَتِ الْمِدْرَى مِنْ يَدَيْهَا، فَقَالَتْ: بِسْمِ اللهِ، فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي؟ قَالَتْ: لاَ، وَلَكِنْ رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ، قَالَتْ: أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَخْبَرَتْهُ فَدَعَاهَا، فَقَالَ: يَا فُلانَةُ، وَإِنَّ لَكِ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِيَ وَأَوْلادُهَا فِيهَا، قَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، قَالَ: وَمَا حَاجَتُكِ؟ قَالَتْ: أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَتَدْفِنَنَا، قَالَ: ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الحَقِّ، قَالَ: فَأَمَرَ بِأَوْلادِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَاحِدًا وَاحِدًا، إِلَى أَنِ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبِيٍّ لَهَا مُرْضَعٍ، كَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ، قَالَ: يَا أُمَّه، اقْتَحِمِي، فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، فَاقْتَحَمَتْ ) ) [4] .

(1) الفتوحات الإلهية في تحريم العمليات الانتحارية، فوزي الأثري (7) .

(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (1/ 258) ، معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة، محمد الجيزاني (225) .

(3) قالَ أحمدُ بنُ عَبدِ الكَرِيمِ نَجِيبُ - حفظه الله:"ونحنُ نَعذُرُ مَنْ لمِ يرَ في العَمَلِيَّاتِ الاستِشهَادِيَّةِ جَدوَى، ولم يُعلِّق عَليها بَعدَ اللهِ أَمَلًا وإنْ كانَ صَغِيرًا، لأنَّ الثَّمَرَةَ اليَانِعَةَ التي رَآها"

المجاهدُونَ عَيانًا في عَمَليَّاتِهِم قَد تَكونُ خَافِيةً عَلَى غَيرِهِم، وخَاصَّةً أولئكَ الذين قَعَدَوا مَعَ القَاعِدِينَ، لأنَّ الخَفَاءَ والظُّهُورَ مِن الأمُورِ النِّسبِيَّةِ، فربَّمَا ظَهَرَ لِبَعضِ النَّاسِ مَا خَفِيَ على غَيرِهِ،

ويَظهَرُ للإنسَانِ الوَاحِدِ في حَالٍ مَا خَفيَ عليه في حَالٍ أُخرَى"الدلائل الجلية على مشروعية العمليات الاستشهادية (23) ."

(4) رواه أحمد (2822) واللفظ له، والحاكم (3835) وصححه، ووافقه الذهبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت