4 -مَا رَوَاهُ مُسلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (( مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ، لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ ) ) [1] .
5 -عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الشُّهَدَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (( الَّذِينَ إِنْ يُلْقَوْا فِي الصَّفِّ لاَ يَلْفِتُونَ وُجُوهَهُمْ حَتَّى يُقْتَلُوا، أُولَئِكَ يَتَلَبَّطُونَ فِي الْغُرَفِ الْعُلَى مِنَ الْجَنَّةِ، وَيَضْحَكُ إِلَيْهِمْ رَبُّكَ، وَإِذَا ضَحِكَ رَبُّكَ إِلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا فَلاَ حِسَابَ عَلَيْهِ ) ) [2] .
فهذانِ الدِّلِيلانِ دلَّا عَلَى أنَّ السَّعيَ في طَلبِ الشَّهَادةِ والبَحْث عَنها أمْرٌ مَشروعٌ مُنفَرِدًَا، فكَيفَ إنْ صَحِبَه قَصْدٌ آخرُ مَشرُوعٌ كالنِّكَايَةِ في العَدوِّ؟! [3] .
6 -وفي حَديثٍ طَوِيلٍ عَنْ صُهَيْبٍ - رضي الله عنه - وفيه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (( فَقَالَ لِلْمَلِكِ إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ"بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ"، ثُمَّ ارْمِنِي فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ"بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ"، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ:"آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ"، فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ قَدْ آمَنَ النَّاسُ، فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا، فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلاَمُ: يَا أُمَّهِ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ ) ) [4] .
ووجهُ الاستِدلالِ: أنَّ الغُلامَ أرشَدَ المَلِكَ ودَلَّهُ عَلَى الطَّرِيقَةِ التي تُحَقِّقُ قَتْلَهُ لمَصلَحَةٍ، وهوَ بهذا مُتَسَبِّبٌ في قَتْلِ نَفْسِهِ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ قتْلِ النَّفْسِ والتَّغْريرِ بِهَا أو التَّسبُّبِ في ذَلِكَ إنْ كانَ لِمَصلَحَةٍ، إذْ لا فَرْقَ بينَ التَّسَبُّبِ والمُبَاشَرَةِ.
وكَذَا الرَّضيعُ فقَدْ أَمَرَ أمَّهُ بالصَّبرِ والإقْدامِ عَلَى المَوتِ، وهوَ أمْرٌ مَشرُوعٌ بِدَلِيلِ أنَّ القِصَّةَ ذُكِرَتْ في مَعرِضِ المَدْحِ والإقْرَارِ.
(1) صحيح مسلم (4997) .
(2) رواه أحمد (22843) ، وأبو يعلى (6855) ، والطبراني في الأوسط (4132) ، ومسند الشاميين (1167) .
قال المنذري:"رواه أحمد وأبو يعلى، ورواته ثقات". وقال:"رواه الطبراني بإسناد حسن". الترغيب (2/ 193 - 194) . وقال الدمياطي:"رواه أحمد وأبو يعلى بإسنادين ..."
جيدين". المتجر الرابح (383) ."
(3) هل انتحرت حواء أم استشهدت؟ (10) .
(4) صحيح مسلم (7703) .