قال أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ - رحمه الله:"لم تَختَلِف الأمَّةُ أنَّ القِتَالَ كانَ مَحظُورًا قَبلَ الهِجْرَةِ بِقَولِهِ تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [1] وقولِهِ: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ [2] (وقولِهِ: (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (وقَولِهِ: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (" [3] .
وقَالَ ابنُ تيميةَ - رحمه الله:"لَمَّا بَعَثَ الله نَبِيَّهُ وَأَمَرَهُ بِدَعْوَةِ الْخَلْقِ إلَى دِينِهِ لَمْ يَاذَنْ لَهُ فِي قَتْلِ أَحَدٍ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا قِتَالِهِ حَتَّى هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ فَأَذِنَ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ" [4] .
ومَعَ ذَا فَقَد كان المسلمونَ يَسألونَ اللهَ أنْ يَفرِضَ عليهمُ القِتَالَ، لكَراهَتِهِم ما أُمِروا بِهِ مِنْ كَفِّ الأيدي عَنْ قِتَالِ المشركينَ [5] ، يُصدِّقُ ذلك ما جَاء في سَببِ نُزُولِ قولِهِ تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [6] ، من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَأَصْحَابًا لَهُ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ كُنَّا فِي عِزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً، فَقَالَ: (( إِنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ، فَلاَ تُقَاتِلُوا الْقَوْمَ ) )، فَلَمَّا حَوَّلَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، أَمَرَهُ بِالْقِتَالِ، فَكَفُّوا، فنَزَلَتْ [7] .
فمَا فَتِئ المُشرِكونَ يُنزِلونَ بالمُسلِمِينَ مِنْ العَذَابِ أنوَاعًَا، ومِنْ القَهْرِ والظُّلْمِ أشكَالًا وألوَانًا، حتَّى جَاءَ إِذْنُ اللهِ لَهُم بالهِجْرةِ، فَهَاجَرَتْ طَائفةٌ مِنهُم إلى الحَبَشَةِ بَأمْرٍ مِن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ دَخَل أَهْلُ الْمَدِينَةِ في الإِسْلاَمِ فَأَمَرَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَائِفَةً فَهَاجَرَتْ إلَيْهِمْ، ثمَّ أذِنَ اللهُ بعدَ ذَلِكَ لِرَسُولِهِ بِالْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ عز وجل لهم بِالْجِهَادِ بَعَدَ أنْ استَقَرَّ بهم المُقامُ، وقَويَتْ شَوكَتُهُم، وصَارَتْ لهَم دَارٌ ومَنْعَةٌ وأنصَارٌ [8] ، ثم فَرَضَهُ عليهم، وذَلِكَ في السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِن الهِجْرَةِ بقَولِهِ تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [9] .
(1) فصلت (34) .
(2) المائدة (13) .
(3) أحكام القرآن (1/ 319) .
(4) السياسة الشرعية (85) .
(5) تفسير الطبري (8/ 548) .
(6) النساء (77) .
(7) أخرجه النسائي في الكبرى (4293/ 11112) ، والحاكم في المستدرك (2377/ 3200) وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.
(8) انظر: الأم، الشافعي (4/ 160) .
(9) البقرة (216) .