ذَلِكَ بَيْنَ مَفَاسِدِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ , وَلِاجْتِمَاعِ الْمَفَاسِدِ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يُكْرَهَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِحَيْثُ لَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ قُتِلَ , فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَدْرَأَ مَفْسَدَةَ الْقَتْلِ بِالصَّبْرِ عَلَى الْقَتْلِ , لِأَنَّ صَبْرَهُ عَلَى الْقَتْلِ أَقَلُّ مَفْسَدَةً مِنْ إقْدَامِهِ عَلَيْهِ , وَإِنْ قَدَرَ عَلَى دَفْعِ الْمَكْرُوهِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ لَزِمَهُ ذَلِكَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ , وَإِنَّمَا قُدِّمَ دَرْءُ الْقَتْلِ بِالصَّبْرِ لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَتْلِ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي الِاسْتِسْلَامِ لِلْقَتْلِ , فَوَجَبَ تَقْدِيمُ دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ لِلْجَمْعِ عَلَى وُجُوبِ دَرْئِهَا , عَلَى دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ الْمُخْتَلَفِ فِي وُجُوبِ دَرْئِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَا وَاللِّوَاطِ فَإِنَّ الصَّبْرَ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِهِ وَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أُكْرِهَ بِالْقَتْلِ عَلَى شَهَادَةِ زُورٍ أَوْ عَلَى حُكْمٍ بِبَاطِلٍ فَإِنْ كَانَ الْمُكْرَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ بِهِ أَوْ الْحُكْمِ بِهِ قَتْلًا أَوْ قَطْعَ عُضْوٍ وَإِحْلَالَ بِضْعٍ مُحَرَّمٍ لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ وَلَا الْحُكْمُ ; لِأَنَّ الِاسْتِسْلَامَ لِلْقَتْلِ أَوْلَى مِنْ التَّسَبُّبِ إلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ ذَنْبٍ , أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ بِغَيْرِ جُرْمٍ , أَوْ إتْيَانِ بِضْعٍ مُحَرَّمٍ وَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ أَوْ الْحُكْمُ بِمَالٍ لَزِمَهُ إتْلَافُهُ بِالشَّهَادَةِ أَوْ بِالْحُكْمِ حِفْظًا لِمُهْجَتِهِ كَمَا يَلْزَمُ حِفْظُهُمَا بِأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ. وَكَذَلِكَ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ , أَوْ غُصَّ وَلَمْ يَجِدْ مَا يَسِيغُ بِهِ الْغُصَّةَ سِوَى الْخَمْرِ , فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ حِفْظَ الْحَيَاةِ أَعْظَمُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ مِنْ رِعَايَةِ الْمُحَرَّمَاتِ الْمَذْكُورَاتِ.
وفي المنثور من القواعد:
الْإِيثَارُ أَنْ يُؤْثِرَ غَيْرَهُ بِالشَّيْءِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ , وَعَكْسُهُ الْأَثَرَةُ: وَهِيَ اسْتِئْثَارُهُ عَنْ أَخِيهِ بِمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ , وَمِنْهُ قَوْلُهُ: صلى الله عليه وسلم {سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً} وَالْإِيثَارُ ضَرْبَانِ: (الْأَوَّلُ) : أَنْ يَكُونَ فِيمَا لِلنَّفْسِ فِيهِ حَظٌّ , فَهُوَ مَطْلُوبٌ كَالْمُضْطَرِّ يُؤْثِرُ بِطَعَامِهِ غَيْرَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مُسْلِمًا لقوله تعالى {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} , كَذَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ وَالْإِمَامِ وَالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ وَغَيْرِهِمْ لَكِنَّ كَلَامَ الْمُتَوَلِّي يَقْتَضِي الْمَنْعَ , فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ (الْبُغَاةِ) فِي كَلَامِهِ عَلَى دَفْعِ الصَّائِلِ: إنَّهُ لَوْ كَانَ مُضْطَرًّا , وَوَلَدُهُ مُضْطَرٌّ لَا يَجُوزُ لَهُ بَذْلُ الطَّعَامِ لَهُ انْتَهَى. وَغَيْرُ الْوَلَدِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ لَكِنَّهُ قَالَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ: وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هُوَ وَأَهْلُهُ مُضْطَرِّينَ , وَمَعَهُ طَعَامٌ قَلِيلٌ كَانَ هُوَ أَوْلَى بِالطَّعَامِ , وَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَالِكٍ إذَا جَامَعَ امْرَأَتَهُ , وَمَعَهُ مَاءٌ قَلِيلٌ يَكْفِي غُسْلَ أَحَدِهِمَا كَانَ هُوَ أَوْلَى (بِهِ) انْتَهَى. (وَقَالَ) الْإِمَامُ فِي بَابِ صَوْلِ الْفَحْلِ: لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ الْإِيثَارِ , وَإِنْ أَدَّى إلَى هَلَاكِ الْمُؤْثِرِ , وَهُوَ مِنْ شِيَمِ الصَّالِحِينَ , فَإِذَا اُضْطُرَّ , وَانْتَهَى إلَى الْمَخْمَصَةِ , وَمَعَهُ مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ , وَفِي رُفْقَتِهِ مُضْطَرٌّ فَآثَرَهُ بِالطَّعَامِ , فَهُوَ حَسَنٌ , وَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْإِيثَارَاتِ الَّتِي يُتَدَارَكُ بِهَا الْمُهَجُ , قَالَ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إيثَارُ الْبَهِيمَةِ , وَكَيْف يُظَنُّ هَذَا , وَيَجِبُ قَتْلُ الْبَهِيمَةِ ; لِاسْتِبْقَاءِ الْمُهْجَةِ , وَقَالَ وَالِدُهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ مِنْ الْفُرُوقِ: الْمُضْطَرُّ إنْ أَرَادَ الْإِيثَارَ بِمَا مَعَهُ لِاسْتِحْيَاءِ مُهْجَةٍ أُخْرَى كَانَ لَهُ الْإِيثَارُ , وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ مُهْجَتِهِ. وَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ , وَمَعَهُ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ , وَهُنَاكَ مَنْ يَحْتَاجُهُ لِلطَّهَارَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِيثَارُ , وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَقَّ فِي الطَّهَارَةِ حَقٌّ لِلَّهِ , فَلَا يُسَوَّغُ فِيهِ الْإِيثَارُ , وَالْحَقُّ فِي حَالِ الْمَخْمَصَةِ حَقُّهُ فِي نَفْسِهِ , وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُهْجَتَيْنِ عَلَى شَرَفِ التَّلَفِ إلَّا وَاحِدَةً تُسْتَدْرَكُ بِذَلِكَ الطَّعَامِ