لَهُ تَسْكِينُهُ بِالْخَمْرِ وَأُسْقِطَ عَنْهُ الْعِقَابُ. فَمِنْ حَيْثُ إسْقَاطُ الْعِقَابِ عَنْ فِعْلِهِ هُوَ فُسْحَةُ رُخْصَةٍ , وَمِنْ حَيْثُ إيجَابُ الْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ هُوَ عَزِيمَةٌ. وَأَمَّا سَبَبُ الْفَرْقِ فَأُمُورٌ مَصْلَحِيَّةٌ رَآهَا الْمُجْتَهِدُونَ , وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهَا فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ الِاسْتِسْلَامَ لِلصَّائِلِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ وَقَالَ قَتْلُ غَيْرِهِ مَحْظُورٌ كَقَتْلِهِ وَإِنَّمَا جُوِّزَ لَهُ نَظَرًا لَهُ وَلَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّ نَفْسِهِ إذَا قَابَلَهُ مِثْلُهُ , وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُهْلِكَ نَفْسَهُ لِيَمْتَنِعَ عَنْ مَيْتَةٍ وَخَمْرٍ , فَإِنَّ حِفْظَ الْمُهْجَةِ أَهَمُّ فِي الشَّرْعِ مِنْ تَرْكِ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْر فِي حَالَةٍ نَادِرَةٍ. وَمِنْهَا السَّلَمُ , فَإِنَّهُ بَيْعُ مَا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فِي الْحَالِ فَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ رُخْصَةٌ ; لِأَنَّ عُمُومَ نَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ يُوجِبُ تَحْرِيمَهُ , وَحَاجَةُ الْمُفْلِسِ اقْتَضَتْ الرُّخْصَةَ فِي السَّلَمِ , وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ تَزْوِيجَ الْآبِقَةِ يَصِحُّ وَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ رُخْصَةً , فَإِذَا قُوبِلَ بِبَيْعِ الْآبِقِ فَهُوَ فُسْحَةٌ , لَكِنْ قِيلَ: النِّكَاحُ عَقْدٌ آخَرُ فَارَقَ شَرْطُهُ شَرْطَ الْبَيْعِ فَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا , وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: السَّلَمُ عَقْدٌ آخَرُ فَهُوَ بَيْعُ دَيْنٍ وَذَلِكَ بَيْعُ عَيْنٍ فَافْتَرَقَا , وَافْتِرَاقُهُمَا فِي الشَّرْطِ لَا يُلْحِقُ أَحَدَهُمَا بِالرُّخَصِ , فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَجَازًا , فَقَوْلُ الرَّاوِي: نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَأَرْخَصَ فِي السَّلَمِ , تَجَوُّزٌ فِي الْكَلَامِ. وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ الرَّايِ قَالُوا: حَدُّ الرُّخْصَةِ أَنَّهُ الَّذِي أُبِيحَ مَعَ كَوْنِهِ حَرَامًا وَهَذَا مُتَنَاقِضٌ , فَإِنَّ الَّذِي أُبِيحَ لَا يَكُونُ حَرَامًا. وَحَذَقَ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: مَا أُرْخِصَ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ حَرَامًا. وَهُوَ مِثْلُ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ التَّرْخِيصَ إبَاحَةٌ أَيْضًا. وَقَدْ بَنَوْا هَذَا عَلَى أَصْلِهِمْ إذْ قَالُوا: الْكُفْرُ قَبِيحٌ لِعَيْنِهِ فَهُوَ حَرَامٌ فَبِالْإِكْرَاهِ رُخِّصَ لَهُ فِيمَا هُوَ قَبِيحٌ فِي نَفْسِهِ , وَعَنْ هَذَا لَوْ أَصَرَّ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِالْكُفْرِ كَانَ مُثَابًا وَزَعَمُوا أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْإِفْطَارِ لَوْ لَمْ يُفْطِرْ يُثَابُ ; لِأَنَّ الْإِفْطَارَ قَبِيحٌ وَالصَّوْمَ قِيَامٌ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْمُكْرَهُ عَلَى إتْلَافِ الْمَالِ أَيْضًا لَوْ اسْتَسْلَمَ قَالُوا: يُثَابُ , وَالْمُكْرَهُ عَلَى تَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ زَعَمُوا أَنَّهُ يَاثَمُ إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ. وَفِي هَذِهِ التَّفَاصِيلِ نَظَرٌ فِقْهِيٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَحْضِ الْأُصُولِ , وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّهُ رُخِّصَ فِي الْحَرَامِ مُتَنَاقِضٌ لَا وَجْهَ لَهُ , وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَدْ تَمَّ النَّظَرُ فِي الْقُطْبِ الْأَوَّلِ , وَهُوَ النَّظَرُ فِي حَقِيقَةِ الْحُكْمِ وَأَقْسَامِهِ. فَلْنَنْظُرْ الْآنَ فِي مُثْمِرِ الْحُكْمِ وَهُوَ الدَّلِيلُ.
وقال ابن العربي في أحكام القرآن:
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْفِرَارِ مِنْ خَوْفِ الْعَدُوِّ , وَتَرْكِ الصَّبْرِ عَلَى مَا يَنْزِلُ مِنْ بَلَاءِ اللَّهِ , وَعَدَمِ الِاسْتِسْلَامِ الْمُؤَدِّي إلَى الْآلَامِ وَالْهُمُومِ , وَأَلَّا يُلْقِيَ بِيَدِهِ إلَى الْعَدُوِّ , تَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ , وَلَوْ شَاءَ رَبُّكُمْ لَعَصَمَهُ مَعَ كَوْنِهِ مَعَهُمْ , وَلَكِنَّهَا سُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ وَسِيرَةُ الْأُمَمِ , حَكَمَ اللَّهُ بِهَا لِتَكُونَ قُدْرَةً لِلْخَلْقِ , وَأُنْمُوذَجًا فِي الرِّفْقِ , وَعَمَلًا بِالْأَسْبَابِ.
وفي قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام:
إذَا اجْتَمَعَتْ الْمَفَاسِدُ الْمَحْضَةُ فَإِنْ أَمْكَنَ دَرْؤُهَا دَرَانَا , وَإِنْ تَعَذَّرَ دَرْءُ الْجَمِيعِ دَرَانَا الْأَفْسَدَ فَالْأَفْسَدَ وَالْأَرْذَلَ فَالْأَرْذَلَ , فَإِنْ تَسَاوَتْ فَقَدْ يَتَوَقَّفُ وَقَدْ يَتَخَيَّرُ وَقَدْ يَخْتَلِفُ فِي التَّسَاوِي وَالتَّفَاوُتِ , وَلَا فَرْقَ فِي