فهو حسن، ومتى كان مجرد تهوّر فممنوع، ولا سيما إن ترتّب على ذلك وهن في المسلمين، واللّه أعلم. اهـ.
قلتُ: و إذا كانت النفس البشريّة مُلكًا لبارئها و خالقها، و العبدَ مؤتَمَنًا عَليها، مسؤولًا عنها، فليس له أن يتعدّى عليها فيؤذيها أو يزهقها بغير حقّ، فإن أداء الأمانة في أسمى صُوَرها، يكون بِبَذلِها لصاحبها و مالكها، فمن جاد بنفسه طواعيةً في سبيل الله فقد أدّى ما عليه و أمره إلى الله.
و من التجنّي و مجاوزة الحق؛ أن نحكم بالانتحار على من يريد الشهادة و يبذل نفسه في سبيل الله، تحكّمًا منّا في نيّته، و حكمًا على سريرته و ما في قلبه بغير علم، مع علمنا أنّه لو أراد الانتحار لسلك إليه طرقًا أخرى و ما أكثرها و أيسرها.
كما يُستدلّ على مشروعيّة العمل الاستشهادي بقاعدة (ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب) المقرّرة عند الأصوليين، ففي زمن الخَوَر و الضعف و الدَعة، بل الصدّ عن الجهاد و التآمر على أهله، و قطع السبل المفضية إليه، مع الإقرار بوجوبه و تعيّنه، لا يجد المجاهدون سبيلًا لمقارعة العدو و كسر شوكته، سوى الاقتحام بأنفسهم في صفوفه، رجاء ردّه على أعقابه، و احتساب الشهادة لمن يقضي في تلك العمليات من المسلمين، إذ لا بديل عن ذلك، و لا سبيل للجهاد سوى هذا السبيل، في ظل الظروف الراهنة، فيُشرع العمل بهذه الصورة استنادًا إلى القاعدة المتقدّمة الذِكر.
جاء في أضواء البيان للشيخ محمد الأمين بن المختار الشنقيطي رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) [الحشر: 5] : إنّ الإذن بالقتال إذن بكل ما يتطلبه , بناء على قاعدة: الأمر بالشيء أمر به و بما لا يتم إلا به. اهـ.
و هاهنا شبهة يحسن الردّ عليها، و هي أنّ بعض المعاصرين أفتى بأن المقدم على الاقتحام في عمل استشهادي، منتحر قاتل لنفسه، مستحقّ للوعيد يوم القيامة.