والذي قال محمد من هذه الوجوه صحيح لا يجوز غيره، و على هذه المعاني يحمل تأويل من تأوّل في حديث أبي أيوب أنه ألقى بيده إلى التهلكة، بحمله على العدو إذ لم يكن عندهم في ذلك منفعة، و إذا كان كذلك فلا ينبغي أن يتلف نفسه، بدون منفعة عائدة على الدين و لا على المسلمين، فأما إذا كان في تلف نفسه منفعة عائدة على الدين فهذا مقام شريف مدح الله به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (إنَّ اللَّهِ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) [التوبة: 111] ، و قال: (و لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران: 169] ، و قال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ) [البقرة: 207] ، في نظائر ذلك من الآي التي مدح الله فيها من بذل نفسه لله. اهـ.
و ممّن انتصر لذلك الإمام الشافعي رحمه الله حيث قال [في كتاب الأم: 4/ 169] : (لا أرى ضيقًا على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسرًا، أو يبادر الرجل و إن كان الأغلب أنه مقتول , لأنه قد بودر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، و حَمَل رجل من الأنصار حاسرًا على جماعة من المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي صلى الله عليه وسلم بما في ذلك من الخير فقُتِل) .
و في كلام الشافعي إشارة إلى ما رواه مسلم في صحيحه و أحمد في مسنده من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ المتقدّم.
و قال الإمام النووي رحمه الله [في باب ثبوت الجنة للشهيد من شرح مسلم: 13/ 46] بعد ذِكر قصّة صاحب التَمرات: فيه جواز الانغماس في الكفار والتعرض للشهادة وهو جائز بلا كراهة عند جماهير العلماء. اهـ.
و في كتاب الفروع لابن مفلح الحنبلي [6/ 189] : (قال و لو حمل على العدو و هو يعلم أنه لا ينجو لم يُعِن على قتل نفسه و قيل: له - أي للإمام أحمد - يحمل الرجل على مائة؟ قال: إذا كان مع فرسان، و ذكر شيخنا أنّه يستحب انغماسه لمنفعة للمسلمين و إلا نهى عنه و هو من التهلكة) .
قال أبو عبداللّه القرطبي [في تفسيره: 2/ 363 و ما بعدها] : اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك